الذاكرة الدموية


صحفي عراقي: الإبادة الجماعية في خوجالى لا يمكن تصورها بكل ما فيها من وحشية وقسوة

A+ A

باكو، 29 فبراير (أذرتاج).

أدرجت صحيفة "المراقب العراقي" الشهيرة في العراق في عددها الصادر أمس الثامن والعشرين من فبراير مقالا للصحفي العراقي المعروف الكاتب المتخصص بالشئون الأذربيجانية الدكتور معتز محي عبد الحميد تحت عنوان "26 شباط ... يوم لا ينسى في تاريخ جمهورية أذربيجان المسلمة".

وتبث وكالة أذرتاج نص المقال كما هو:

"هناك الكثير من الكوارث والنكبات في تاريخ الأوطان سجلت بحروف سوداء ولكن مذبحة خوجالي التي ارتكبتها القوات الأرمنية ضد الشعب الأذري الأعزل لها طبيعة خاصة وكارثيه من نوع غير عادي حيث قتل الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء المدنيين ووقعت هجمات إرهابية ومذابح وإبادة جماعية في هذه المدينة .

إن دولة أذربيجان المسلمة لديها الكثير من هذه الصفحات السوداء إلا أن هذه الأحداث بغض النظر عما حدث فيها لم تستطع أن تهز أو تدمر من وحدة الشعب الأذربيجاني أو أن تقف عائقا أمام سعيه للاستقلال وتأسيس دولته على أرضه المستقلة.

في كل عام يتذكر الشعب الاذري في 26- شباط المجزرة والإبادة الجماعية التي قام بها الأرمن ضد العوائل المسالمة في منطقة خوجالي ولم يتوقف أسلوب القتل والإبادة الجماعية من قبل الأرمن في هذه المنطقة فحسب وإنما امتد لسنوات عديدة وعندما نسترجع بدايات تلك الاعتداءات الأرمنية حيث قام الأرمن في الفترة ما بين 1905م و1907م أفظع الجرائم التي ارتكبت ضد الأذربيجانية حيث قاموا بأعمال دموية واسعة النطاق, حيث بدأت هذه الاعتداءات في باكو عاصمة أذربيجان الآن ثم امتدت لتشمل كل أذربيجان والقرى الأذربيجانية, كما تم تدمير مئات القرى ومحيت من علي وجه الأرض وتم قتل ألاف المدنيين من شعب أذربيجان بوحشية شديدة وذلك سعيا لإقامة دولة أرمينيا الكبرى. وقد استغل الأرمن الوضع الذي عقب الحرب العالمية الأولي وثورتي (فبراير وأكتوبر) في روسيا عام 1917م والذي تعرف “بالثورة البلشيفية ”وبدأوا متابعة تنفيذ خططهم تحت علم زعماء الثورة البلشيفية وبذلك وتحت ذرائع محاربة العناصر التي هي ضد الثورة وبدأت لجنة باكو الثورية في أذار 1918م تنفيذ خطة تهدف إلي استئصال الأذربيجانيين في مناطق شيماخا وغوبا وكاراباغ وزانغيزور وناخيشفان ولينكوران وغيرهما من المناطق في أذربيجان لاشي إلا بسبب انتمائهم العرقي وديانتهم المسلمة , حيث تمت أبادت الآلاف من الأذربيجانيين وأحرقت القري وتم تدمير الآثار الثقافية القومية بصورة كاملة .

ونتيجة لهذه الجرائم وعمليات الإبادة التي ارتكبها الأرمن ضد الأذربيجانيين, صرح الزعيم القومي والرئيس السابق الأذربيجاني (حيدر علييف) في منظمة الحزب الشيوعي عند استقالته من عضوية CPSU في 19 تموز عام 1991م قائلا :” لقد لعبت روسيا دورا كبيرا في تمكين الأرمن من الاعتداء علي الأذربيجانيين وخاصة في الفترة ما بين 1948م و1953م وذلك بتحريض من اللوبي الصهيوني في موسكو. حيث أصدر جوزيف ستالين عدة قرارات والتي تم بموجبها طرد أكثر من 150ألف أذربيجاني من مناطق أرمينيا وترحيلهم إلي منخفضات كورا-أزار في جمهورية أذربيجان السوفيتية وكذلك تم تشريد عدد كبير منهم بسبب تطبيق تلك القرارات المناقضة للأعراف القانونية الدولية.

• إقليم ناغورنو قاراباغ

نتيجة تلك السياسات العنيفة والهمجية من قبل الأرمن وميول روسيا ومساندتها للأرمن في الدخول واقتطاع العديد من المدن الأذربيجانية نجح الأرمن في ضم إقليم ناغورنو قاراباغ الجبلي إلي أرمينيا خلال اجتماع اللجنة القوقازية التابعة للحزب الشيوعي لروسيا في 4/ تموز /1921م. ولكن سرعان ما لقي هذا القرار معارضة شديدة من جانب الأذربيجانية مما أدي إلي تدخل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي حيث أبطلت هذا القرار وتبنت اللجنة القوقازية قرارا جديدا بضرورة الإبقاء علي هذا الإقليم ضمن أراضي أذربيجان وقد منح هذا البيان حكما ذاتيا لذلك الإقليم مع اعتبار شوشا عاصمة له وبذلك خلق كيان مصطنع جد يد علي أرض أذربيجان ومنح السكان الموجودين في هذا الإقليم حقوقا لم تمنح للسكان الأذربيجانيون الموجودين في أرمينيا , وبالرغم من أن الأرمن لم يستطيعوا سلخ تلك الإقليم من الأراضي الأذربيجانية إلا أنهم نجحوا في توسيع أرضهم علي حساب العديد من المدن الأذربيجانية أمثال (زانغيروا) وغيرها , كما أنهم ظلوا واضعين تلك الإقليم نصب أعينهم .

ويمكن اعتبار هذا التاريخ هو بداية الصراع بين أذربيجان وأرمينيا حول هذا الإقليم حيث أنها بدأت رسميا في 20 /شباط /1988م حينما اتخذ مجلس سوفييت نواب الشعب لإقليم ناغورنو كاراباغ ذي الحكم الذاتي قرارا بالتقدم بالتماس إلي مجلس السوفييت الأعلى لكل من جمهورية أذربيجان السوفيتية الاشتراكية وجمهورية أرمينيا السوفيتية الاشتراكية بنقل تبعية الإقليم من أذربيجان إلي أرمينيا .

• استقلال أذربيجان

لقد سعت أرمينيا منذ أن استقلت جمهورية أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي السابق في 18 تشرين الأول 1991م في تكثيف سياستها المعادية لأذربيجان، واحتلت منطقة قراباغ الجبلية التي تمثل عشرين بالمائة من أراضي أذربيجان، وقامت بعد ذلك بطرد 200 ألف أذربيجاني من أرمينيا عام 1988م . وأدت هذه السياسة التي تنتهجها أرمينيا إلى تدمير وإحراق مئات القري الأذربيجانية، وإراقة دماء عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء، وطرد وتشريد آلاف المئات من المدنيين العزل.

ولم يتوقف الأرمن عن سياسات الإبادة والمذابح والتعصب ضد الأذربيجانيين حيث ملئت الأراضي الأذربيجانية بالدماء بالتحالف مع السوفييت ومساندتهم للأرمنيين, ورغم ذلك ففي كانون الثاني من عام 1990 قام الشعب الأذربيجاني بالعديد من الاحتجاجات ضد روسيا نظرا لما كانت ترتكبه روسيا من فظائع وقتل وذبح وغيره من كافة أنواع الإبادة ضد الأذربيجانيين .

وفي 20 - كانون الثاني من عام 1990م جاءت القوات السوفيتية إلي باكو لإخماد احتجاجات الشعب ضد السياسة الظالمة والمنحازة للأرمن والتي كانت تطبقها قيادات اتحاد الجمهوريات السوفيتية واحتجاجا علي أداء القيادة المحلية المساندة للتيار الانفصالي. ونتيجة للعنف التي استخدمته تلك القوات قتل وجرح مئات من سكان المدن وشوهت أجسادهم وتعرضوا لكافة أنواع القتل والتنكيل .

وفي بداية عام 1992, تطور النزاع بصورة عنيفة فاستغل الأرمن حالة عدم الاستقرار السياسي والتي حدثت نتيجة لتفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره وظهور القطبية الأحادية والمتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد حصولها علي الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي حيث قاموا بعمليات عسكرية وكثرت حوادث العنف ضد الأذربيجانيين .

• مذبحة خوجالي الدموية

لقد استمر هذه الانتهاكات إلي أن أتي اليوم الذي لا ينساه كل أذربيجاني في أذربيجان وفي جميع أنحاء العالم إلا بالأسي والحزن والألم والمرارة هذا اليوم الفاصل في تاريخ أذربيجان, هذا اليوم الذي ظهر فيه قمة التعصب الديني العرقي للأرمن وعنفهم ضد الشعب الأذربيجاني المسلم فقد كان ذلك الحادث الأليم والبشع في تاريخ أذربيجان في يوم 26/ شباط /1992م .

ففي ذلك اليوم الدموي قام الأرمن بأعمال عقابية وانتقامية لم يسبق لها مثيل ضد سكان مدينة خوجالي, والتي انتهت بقتل وتشريد ألاف الأذربيجانيين نتيجة العنف التي قام به الأرمينيين ضدهم حيث أن هذه الأحداث كانت لا زالت نقطة مأسوية وسوداء في تاريخ أذربيجان حيث ظهر انحياز الاتحاد السوفيتي واضحا للأرمن بمساعدتهم علي ارتكاب تلك المذابح وظهر أيضا التعصب العرقي للأرمن. حيث إن الإبادة الجماعية في خوجالى لا يمكن تصورها أو تخيلها بكل ما فيها من وحشية وقسوة، كما أن الأساليب العقابية غير الإنسانية كانت كلها موجهة ضد شعب أذربيجان، وتمثل عملا بربريا في تاريخ الجنس البشرى. وفى نفس الوقت فإن هذه الإبادة الجماعية تعتبر جريمة تاريخية ضد الإنسانية.

لم تنقض ليلة 25-26 شباط 1992 إلا و كانت القوات المسلحة الأرمنية مدعومة بفرقة المشاة رقم 366 من جيش الاتحاد السوفييتي السابق, قد أحكمت قبضتها على مدينة خوجالى التي تقع في منطقة قاراباغ والتي كانت عدد سكانها في ذلك الحين 23757نسمة. وبات السكان في مدينتهم قبل ليلة المأساة، وحاولوا الفرار من منازلهم بعد بداية شن الهجوم على أمل أن يجدوا طريقا إلى أقرب مكان يسكنه غالبية من الآذريين ولكن خططهم فشلت ودمر الغزاة مدينة خوجالى ونفذوا مجزرة وحشية ضد السكان المسالمين.

• ولكن هناك سؤالا يطرح نفسه هو لماذا مدينة خوجالي بالتحديد التي تقع بها هذه المأساة ؟

ولكي نستطيع أن نجيب علي هذا السؤال المهم يجب أن نعرف أن مدينة خوجالي تقع وسط منطقة قراباغ الجبلية الأذربيجانية المحتلة حاليًا من قبل الأرمن، ولها موقع استراتيجي مهم في هذه المنطقة. وتعد مدينة خوجالي هي ثاني أكبر المناطق السكنية للأذربيجانيين بعد مدينة شوشا في قراباغ الجبلية، ويعيش بها سبع آلاف نسمة. وتقع علي بعد عشرة كيلو مترات من مدينة “خانكندي” في الجنوب الشرقي من أذربيجان، عند سلسلة جبال قراباغ، كما يوجد بها المطار الوحيد بمنطقة قراباغ الجبلية بأكملها. ولقد اعترف الجانب الأرميني بعد ذلك أن الهدف الأساسي من هجومه علي مدينة خوجالي هو تدميرها وإخلاء طريق “عسكران خانكندي” المار بها، والاستيلاء علي المطار الموجود في حوزة الأذربيجانيين .

ووفقا للأرقام الرسمية وإحصائيات المنظمات الإنسانية فإن ضحية هذه المذبحة هي: قتل 613 شخصا بوحشية بعد تعذيبهم من بينهم: 106 امرأة ،63 طفلا، 70 رجلا مسنا.

حقا أنها من أشد الكوارث التي عاشتها أذربيجان في تلك الفترة نتيجة الأعمال الإجرامية التي قام بها الأرمن ضد الأذربيجانيين وخاصة قاطني مدينة خوجالي نتيجة التعصب العرقي للأرمن والرغبة في التملك , فإنني أشبه ما حدث في خوجالي في تلك الفترة هو نفسه ما يحدث في سوريا والعراق من إبادات جماعية وقتل الأطفال وإحراق المنازل و هتك أعراض النساء وترميلهم وتشريد المواطنين من قبل الدواعش والإرهابيين الذي جاءوا إلى المنطقة متسترين بالدين وغيره من الفظائع التي يرتكبها يوميا القتلى الدواعش ضد العراقيين .

إن انتهاك حقوق الإنسان بشكل سافر علي يد الأرمن ومعاونيهم المشاركين في مذبحة خوجالي وخاصة السوفييت يعتبر انتهاكًا صريحًا للاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية جينيف، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، وغيرها من الاتفاقيات التي صدرت لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية. وبالرغم من كل ما ذكر من قرارات واتفاقيات صدرت من العديد من المنظمات للتنديد بمذبحة خوجالي، علينا أن نعترف أن العالم لا يزال يعرف القليل عن تلك الجرائم التي ارتكبت في مدينة خوجالي والسكوت بشأن هذه الجرائم يزيد من تعند الأرمن بالبقاء في الأراضي التي احتلتها بالقوة .

• أذربيجان المسلمة والمستقبل

عملت أذربيجان منذ استقلالها على بناء الدولة الحديثة والمجتمع المدني القائم على المؤسسات والتعددية، كما اهتمت منذ تاريخ استقلالها على إقامة علاقات الصداقة والتعاون وحسن الجوار مع العديد من البلدان وفي مقدمتها بلدان العالم الإسلامي، وقد حرصت على تعزيز علاقاتها الدبلوماسية وذلك بافتتاح سفارات لها في مختلف دول العالم وفي مقدمتها الدول العربية.

إن أذربيجان اليوم دولة مستقلة حظيت باعتراف المجتمع الدولي ككل، وهي عضو كامل وفعال في مختلف المنظمات والهيئات الدولية المرموقة كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي وغيرها من المنظمات الدولية الأخرى .

لقد جرت في جمهورية أذربيجان العديد من الإصلاحات الجذرية في مختلف القطاعات الاقتصادية وجرت إصلاحات اجتماعية وسياسية وقد حققت بفضل ذلك نتائج ملموسة في مجال تطوير وتوسيع اقتصادها.

وتمكنت أيضا في خلال فترة وجيزة من استقلالها على تأسيس نظام ديمقراطي مبني على التعددية السياسية وحققت خطوات وإنجازات جبارة نحو تطبيق سياسة اقتصاد السوق الحر على نظامها الاقتصادي الأمر الذي شجع وجلب الاستثمارات الأجنبية وأدى إلى نقلة نوعية في الاقتصاد الأذربيجاني وقد تبعه تطورا ملموسا في العديد من المجالات الأخرى .

لقد بدأ المجتمع الدولي يتفهم شيئا فشيئا قضية أذربيجان العادلة وضرورة إيجاد حل عادل للنزاع الأذربيجاني الأرميني آجلا أو عاجلا بصدور العديد من القرارات التي تشجب العدوان الأرمني على أذربيجان ومنها قرارات مجلس الأمن للأمم المتحدة الصادرة برقم 822 ، 853 874 ،384 ، والتي من خلالها تم شجب العدوان الأرمني على الأراضي الأذربيجانية ومطالبة أرمينيا بسحب قواتها من أقليم ناغورنوقارباغ المحتل وعودة اللاجئين إلى أراضيهم الأصلية في جمهورية أذربيجان. كما قامت العديد من الدول الصديقة والشقيقة بشجب عدوان أرمينيا على أذربيجان عبر منظمة المؤتمر الإسلامي التي أصدرت قرارات تدين فيها العدوان الأرميني، وتطالب بسحب قوات الاحتلال من الأراضي الأذربيجانية.

ومن الجدير بالذكر أن جمهورية أذربيجان تبذل كل ما في وسعها لحل النزاع الأرمني الأذربيجاني بالطرق السلمية حيث أكدت مرارا وبطريقة عملية تمسكها بمبادئ التسوية السلمية للنزاعات وتبني مواقفها من اجل حل النزاع الأرمني الأذربيجاني على أساس القانون الدولي وعدم المساس بسيادة وسلامة أراضي الدول واحترام حقوق الإنسان

© یجب الاستناد بالارتباط التشعبي (hyperlinks) إلى أذرتاج في حالة استخدام الأخبار

الاتصال بالمؤلف

* املأ الحقول المشار إليها برمز

الأحرف المشار إليها آنفا