علم وتعليم


عايدة إيمان قولييفا رائدة علم الاستشراق

باكو، 18 سبتمبر، أذرتاج

يعرف علم الاستشراق بأنه دراسة كافّة البنى الثّقافيّة للشّرق العربي والإسلامي من وجهة نظر غربية ، وتصوير ودراسة مختلف جوانب الحضارة الشرقية ، وقد كان لإزدهار الحضارتين المسيحية والإسلامية دوراً كبيراً في التنافس الحضاري بين أوروبا المسيحية والشرق الإسلامي ، الأمر الذي أدي إلي اهتمام الغرب بالمشرق العربي ودراسة حضارته من جميع الجوانب التاريخية والثقافية والفكرية والأدبية والعلمية وحتي السياسية ، وذلك ما تم علي أثر هذا الاهتمام ظهور علم الاستشراق وازدهاره .

ورغم أن علم الاستشراق يعتبر من العلوم حديث الظهور ، إلاّ أنّ معرفة الشرق وما يتعلّق به من أفكار يعود إلى أزمان بعيدة ، ويؤيّد ذلك ما عثر عليه في الحفريات والنقوش الأثرية على الأحجار ، ثمّ تلت ذلك حركة الاستشراق في القرون الوسطى ، لتؤكّد ذلك من خلال الوقائع التاريخية والنصوص الجغرافية ، وكتب الأسفار وغيرها ، ثم أخذ الاستشراق نموّه الحقيقي وتطوره ، وأصبح علماً يُدرّس في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، وذلك عندما اهتم الباحثون الإيطاليون والبريطانيون والبرتغاليون بدراسة الشرق ، ومنذ أواخر القرن السابع عشر الميلادي أصبحت كلا من لندن وباريس من المراكز الرئيسية في تدريس الاستشراق ، ثمّ توسّع حتّى أصبحت أكثر الدول الأوروبية والاتحاد السوفيتي السابق لديها معاهد خاصّة بتدريس الاستشراق بجميع أقسامه ، ويتخرّج في كلّ عام أعداداً كبيرة من الأساتذة ، الذين يثرون البحوث والدراسات في أوروبا في مجال علم الاستشراق .

كانت باكو عاصمة جمهورية أذربيجان ، والتي كانت إحدي جمهوريات الاتحاد السوفيتي من أهم المدن التي اهتمت بالاستشراق خلال العهد السوفيتي ، وذلك باعتبارها عاصمة لجمهورية إسلامية ، ولدي شعبها الكثير من العادات والتقاليد والقيم المشتركة مع الشرق من خلال ما يربط بينهم من روابط العقيدة الإسلامية ، إلي جانب أنها كانت تعد من أهم المدن السوفيتية من النواحي الاقتصادية والثقافية والحضارية ، ومن ثم فقد ازدهر علم الاستشراق في أذربيجان ، وتأسس بها معهد الاستشراق ضمن أكاديمية العلوم ، الذي كان مدرسة تخرج منها علماء أثروا المكتبة الغربية بعلوم الشرق .

تعتبر العالمة عايدة إيمان قولييفا ، أحد أهم رواد علم الاستشراق في العالم ، فقد أسهمت أبحاثها العلمية ، وأعمالها الأدبية بشكل كبير في وضع حجر الأساس لدمج الفكر الفلسفي العربي بالعالمي ، فقد أطلعت العالم الغربي على اللغة العربیة والأدب العربي الحدیث والثقافة العربية ، بموهبتها العلمية ونشاطها الاجتماعي الكبير ، فمدت جسوراً من العلاقات والتواصل بين العالم العربي والعالم الغربي ، فكشفت عن كنوز الأدب العربي ، وأزالت الكثير من المجهول عن الفكر والثقافة العربية .

ولدت عايدة إيمان قولييفا في باكو في العاشر من أكتوبر 1939 ، لعائلة نبيلة لها مكانة رفيعة في تاريخ الحركة النسائية في أذربيجان ، حيث كان والدها كاتب وصحفي بارز ، وأحد أهم مؤسسي وسائل الإعلام في أذربيجان ، الأمر الذي ساعدها علي الاتجاه إلي الانفتاح علي الثقافة والأدب العربي ، فكانت أول امرأة أذربیجانیة تعمل في مجال علم الاستشراق ، فتفوقت في في هذا المجال ، حتي صارت أحد أهم رواد ذلك العلم ، ومن ثم تبوأت مكانة مرموقة بين زملائها في هذا االمجال ، فشغلت منصب مدیر معھد الدراسات الشرقیة التابع للأكادیمیة الوطنیة للعلوم ، كما أنھا كانت أول امرأة تحصل على درجة الدكتوراة في علم اللغة ، وأول باحثة في أدب المھجر في أذربیجان ، وكانت عضوا في جمعیة المستشرقین ، وعضوا في مجلس التنسیق في بحث ودراسة الأدب الشرقي في الاتحاد السوفیتي .

ازدهر الأدب العربي في مطلع القرن العشرين بشكل واسع ، وكان له مساهمات وأثر كبيرين في تقدم الآداب العالمية ، حيث اهتم الأدب العربي بالجوانب الروحية والأخلاقية لدي الإنسان ، حيث اهتم بالمثل العليا والقيم السامية والرقي بالنفس البشرية ، لذلك اتصل انتشر الأدب العربي وزاد الاهتمام به من قبل العالم الغربي ، خاصة بعد ازدهار الأدب العربي في المهجر .

قدمت قولييفا اسهامات ھائلة في مجال انتشار ودراسة اللغة والثقافة العربیتین والأدب العربي ، باعتبارها أكاديمية مرموقة لها تأثير علمي كبير في هذا المجال ، ومثالا مشرفا لمدرسة علماء الاستشراق ، الأمر الذي جعلها مشاركاً دائما في مختلف المحافل الدولية ، بعد أن سخرت جل جهودها العلمية لموضوعات البحث في تاریخ الأدب العربي والشرقي وعلوم اللغة العربية .

اهتمت عايدة قولييفا بدراسة أدب المھجر الذي ازدهر علي نطاق واسع ، وكان له مدرسة أدبية تعرف بهذا الاسم " أدب المهجر " ، حيث اهتمت تلك المدرسة باظهار الجوانب الرومانسية في الأدب العربي ، والتي لم تكن معروفة من قبل ، وكان ذلك دافعاً لأن تولي الأكاديمية قولييفا اهتماماً علي التطور الفلسفي للرومانسية العربية الجديدة ، ومن ثم فهم ومعرفة الأدب العربي الجديد ، والكشف عن البعد الإنساني في الأدب العربي الحدیث ، وتوضيح الاتجاه الجديد للأدب العربي في الابتعاد عن القوالب التقليدية ، والابداع في ظهور الرومانسية الأدبية شعراً ونثراً .

يحسب للدكتورة إيمان قولييفا أنها كانت مستشرقة تخوض بالمنهج العلمي الرصين عن التأثیر المتبادل والروابط الأدبیة المتبادلة بین الثقافات الشرقیة العربية والغربیة ، فقد قدمت بالبحث والتحليل البرهان علي تطور الأسلوب الإبداعي ، وظھور اتجاھات أدبیة جدیدة ، وكان لهذا أثر كبير في وجود قواسم مشتركة للبحث في التوجه الجديد للأدب العربي ، حيث انعكس إبداع الأدباء العرب في المهجر وفي مقدمتهم ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ، الذین أسسوا " رابطة القلم " في الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث كان لهم بصماتهم الواضحة علي نشأة الرومانسية في الأدب العربي الحديث .

قدمت قولييفا العديد من الدراسات والأبحاث في مختلف فروع الأدب العربي منها " میخائیل نعیمة ورابطة القلم ، جبران خلیل جبران ، شخصیات بارزة في الأدب العربي الحدیث " ، كما كتبت أكثر من 70 مقالة علمیة ، منھا " قضایا فقه اللغة العربیة ، قضایا علم لغة الشرق ، قضایا الشرق : التاریخ والحداثة ، دور الروابط الأدبیة في تشكیل الأدب العربي الجدید " ، ومحررا علمیا للعدید من الكتب والمقالات العلمیة ، ومترجمة ومؤلفة مشاركة لكتاب " الإنسان والطائر " ، وإلي جانب هذه الاسهامات العلمية الكبيرة عملت علي ايصال رسالتها العلمية إلي طلابها من خلال عملها أستاذة للأدب العربي وعلم اللغة في كلیة الاستشراق بجامعة أذربیجان الحكومیة ، حيث كثر طلابها الدارسين للغة العربية وآدابها ، وظهر هذا جليا خلال اشرافها علي أكثر من عشرة رسائل علمية نال بها دارسوها درجات علمية بين ماجستير ودكتوراه ، وهذا بفضل جهودها في تقديم هذا العلم في صورة رائعة محببة للدراسين .

حظیت ايمان قولييفا بشھرة كبیرة كشخصیة علمیة بارزة في الدراسات العربیة ، بفضل ما تمتعت به من موھبة علمیة كبيرة ، وقدرة في الدفاع عن وجھات نظرھا العلمیة ، وشخصيتها المليئة بالنشاط والحيوية ، وما تمتعت به من قدرات وملكات النبوغ واللباقة وحسن التصرف ، والاجتهاد والاخلاص في العمل ، الأمر الذي أكسبها احتراما واسعا في الأوساط العلمية والاجتماعية ، هذا إلي جانب كونها امرأة محبة ومهتمة بمحيطها العائلي والاجتماعي ، مما جعلها جعلها قادرة علي زرع تلك الملكات الابداعية في نفوس ابنتيها الاثنتان ، السیدة الأولى في أذربیجان مھربان علییفا ، نائب رئيس الجمهورية ، ورئیسة صندوق حیدر علییف ، وسفیرة النوایا الحسنة للیونسكو والإیسیسكو ، والسیدة نرجس باشاییفا رئیسة جامعة موسكو الحكومیة في باكو والاستاذة في علم اللغة ، واللتان تواصلان المساھمة في الحفاظ على التراث الثقافي والعلمي لأذربیجان ، من أجل استكمال ما بدأته الأم من إثراء للحياة العلمية والثقافية والاجتماعية ، ليس في أذربيجان وحسب ، بل في العالم أجمع .

رحلت رائدة علم الاستشراق عايدة إيمان قولييفا ، عن عالمنا في 19 سبتمبر 1992، واليوم وبعد مرور خمسة وعشرون عاماً علي رحيلها ، تظل ذكراها محفورة في ذاكرة الجميع من أسرتها وطلابها وزملائها ومجتمعها والأوساط العلمية كافة ، بفضل ما قدمته من علم وإثراء للمعرفة ومد جسور التواصل بين الشرق والغرب . وبفضل ما زرعته في قلوب أسرتها من خصال وقيم نبيلة . فإذا كانت قد رحلت بجسدها ، فإنها تظل موجودة بيننا بفضل ما ننهله من علم وابداع يظل مصداقا لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " .

بقلم الكاتب المصري أحمد عبده طرابيك

© یجب الاستناد بالارتباط التشعبي (hyperlinks) إلى أذرتاج في حالة استخدام الأخبار
في حالة وجود خطأ في النص نرجوكم ارساله الينا من خلال استخدام ctrl + enter بعد تحديده

الاتصال بالمؤلف

* املأ الحقول المشار إليها برمز

الأحرف المشار إليها آنفا