علم وتعليم


الدكتور عبد الفتاح رواس قلعه جي يكتب: النسيمي وسيمياء الحروف

باكو، 1 أكتوبر (أذرتاج).

تتشرف وكالة أذرتاج نشر مقال تقلت نسخة منه من مؤلفه العالم السوري الشهير الدكتور عبد الفتاح رواس قلعه جي.

"يتفرد نزيل حلب الشاعر الأذربيجاني عماد الدين النسيمي (1370-1417م / 771-821هـ) عن غيره من شعراء عصره ومن الشعراء الذين جاؤوا بعده بأنه اتخذ من علم الحروف قاعدة لأفكاره وإبداعاته الشعرية، فهو أبرز دعاة المذهب الحروفي بعد أن تلقى الدعوة على يد أستاذه فضل الله الأسترابادي الحروفي (ق:795هـ / 1394م)، وبالرغم من أنه انطلق من التصوف ومن تشبعه وإعجابه بأفكار الحلاج (ق: 309هـ / 921م) إلا أنه لم يجد في الصوفية ما يلبي حاجاته وطموحاته في رؤية تأويلية كونية للحياة والموت والإنسان، وبخاصة إعطاء الإنسان قيمته الكونية المقدسة فمال إلى الحروفية، وتشبع بأفكارها، وأصبح من أكبر دعاتها، ولقي في سبيلها مصيره الفاجع، وأصبح المفكر الحروفي يجد نفسه أعظم معرفة من الصوفي. يقول النسيمي:

الشبلي قطرة من بحرنا

وأدهم نقطة في حروفنا

وقد دعا إلى إعلاء شأن الإنسان روحا وجسدا وإعطائه قيمة متعالية لأن الله كامن في الإنسان:

إذا لم يكن البصر كليلا فإنك ترى بجلاء

أن الحق كائن في نفسك وليس في حقل بعيد

إن تأملت الروح والجسد، تدرك

أنك الغاية والجوهر في هذا الكون

الحروف هي أساس الدعوة الحروفية، وللحروف قيم عددية اعتمد عليها حساب الجمل، وقد أعطيت للأعداد والحروف والأسماء قوى غامضة عبر التاريخ، فالفيثاغورسيون اعتبروا الأرقام جوهر الأشياء، وقد تحدث فيثاغورس عن تناغم الأرقام كما الموسيقى، ومع تعدد الفرق السياسية والدينية في الإسلام راح دعاتها يؤيدون آراءهم وعقائدهم باستسرار الأرقام والحروف واستخراج المغيبات والأسرار والأفكار من حساباتها المعقدة، وكان مقطعات الحروف في أوائل بعض السور القرآنية مدعاة للمفكر الإسلامي إلى الحيرة والبحث والتساؤل، وراح بعضهم يستخرج النبوءات من الكلمات والآيات والحروف السرية بعد تحويلها إلى قيم عددية. وقد تعرض ابن خلدون في مقدمته بالتفصيل إلى استخراج الغيب بهذه الدعاوى، يقول في المقدمة ج 1 ص 96 ط 1971: "ومنهم طوائف يضعون قوانين لاستخراج الغيب ... فمن تلك القوانين الحساب الذي يسمونه حساب النيم وهو مذكور في آخر كتاب السياسة المنسوب إلى أرسطو يعرف الغالب من المغلوب في المتحاربين من الملوك" إلى أن يقول: "وهذه كلها مدارك للغيب غير مستندة إلى برهان أو تحقيق، والكتاب الذي وجد فيه حساب النيم غير معزو إلى أرسطو عند المحققين".

وقد حاول الكندي (ت: 252هـ / 866م) الاعتماد على القيم العددية للحروف في استكشاف الأسرار فيها، واعتبارها مصدرا للمعرفة، كما جعل أخوان الصفا الحروف جزءا من علومهم السرية.. ومهما يكن فقد أصبحت معالجة الحروف من موضوعات الفلسفة فكتب ابن سينا رسالة في معاني الحروف الهجائية التي في فواتح السور القرآنية طبق فيها على الأرقام فلسفته في العوالم والعقول. وللغزالي عدة رسائل مفقودة في الحروف منها: أسرار حروف الكلمات، والسر المصون والجوهر المكنون في خواص الحروف، وجاء ابن عربي (558-638هـ / 1146-1240م) الذي فلسف التصوف وربط أسماء الله الحسنى بالعوالم المختلفة وحقائقها، وبما في الإنسان من حقائق، مندغما مع الله في وحدة وجودية بحيث تصير الأسماء والمسميات شيئا واحدا، وتصير الحروف أصلا لها معادلا للروح نفسها، وكأنه بذلك يضع الأساس للدعوة الحروفية، وذهب أبعد من ذلك حين قال: "إن الإنسان في حقيقته الباطنية قرآن لا مثيل له نزل من الوجود الذاتي نحو وجود خالقه.. إن نزول القرآن حق كما أسماه الله عز وجل (نزل متفرقا أي فرقانا) إلا أن كل حقيقة دنيا تشتمل على حقيقة قصوى، والحقيقة القصوى للقرآن هي الإنسان" وهذه النظرة التقديسية للإنسان تتفق مع نظرة النسيمي إذ يقول:

وجه الإنسان أصبح الآن هو الحق

فانحن لمن بلغ هذا المقام بالمعرفة

واعتمادا على حسابات رقمية وحرفية يرى النسيمي ومعه الحروفيون أن الله تمثل في شخص الإنسان وبالتحديد في وجهه فقد برأه الله على صورته، ورأوا أن وجه الإنسان مكون من خطوط سبعة وأن جداءها بالرقم أربعة وهو العناصر الأربعة: الماء والتراب والنار والهواء يساوي 28 وهو عدد الحروف بالعربية. يقول النسيمي:

على وجهك تكشف الحقيقة اليوم الموعود

كل دلالات الأحرف تبرهن على ذلك

ويقول: حيث أن نهايتي هي الخلود، وبدايتي هي البداية

فأولا وأزليا أنا الكائن الأعلى

أنا الأحرف الاثنان والثلاثون (الفارسية)، لا رفيق لي، ولا شبيه، ولا بديل

وقال الحروفيون وابن عربي أيضا بالقراءة الرأسية للقرآن وملخص ذلك أنه إذا كان الإنسان في حالة استعداد روحي عميق فإن القائم للصلاة تصله قراءة القرآن بصورته المجردة (أي بعيدا عن جسدانية الحرف). ورأت الصوفية والحروفيون أن الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية هي من آثار اللغة السماوية في هذه الحروف والتي لا يستطيع كشف معانيها إلا الأرواح الطاهرة القادرة على اختراق الجدار الظاهري للغة، وأن الآيات القرآنية تحتوي على معاني متدرجة حسب قدرات البشر في التقرب من الله.

كما تحدثوا عن ديناميكية الحرف والكون بمعنى أن الكون في حركة دائمة، والحرف تعبير عن الكون، إذن لا وجود للقراءة الثابتة الجامدة. يقول النسيمي:

المحيط العظيم في حركة هائجة

والكل في حركة دائبة في هذا الكون

انتقلت الحروفية إلى لوحات الفن التشكيلي وراح الفنان العربي يعمد إلى تفكيك الحرف العربي لاستنباط دلالات تشكيلية كامنة وراء الحرف، أما الخطاط فراح يلجأ إلى تنويع أشكال الخط حسب معاني الكلمات، ويحرص على إضافة أبعاد فنية وجمالية لمفردات اللون، ويظهر الكلمة أحيانا في فضاء غير نهائي أو سابحة في بحر من الألوان. وغالبا ما يستخدم الفنان التشكيلي كِسَر الحروف في تكويناته مثل الفنان نجا المهداوي أو مجتزآت الكلمة أو العبارة أو النقطة المربَّعة لتكون معبرا للتخيل واكتشاف عوالم ودلالات مجهولة كامنة وراء الحروف مثل الفنان سعيد طه. ويبدو أن الفنان العربي المعاصر استخدم الحرف العربي في لوحته كحجر الفلاسفة. وحجر الفلاسفة هو الجسد، جسد آدم من صلصال من حمأ مسنون. أما اكتمال التكوين فلا يتم إلا بظهور الروح العيسوي آخر الزمان. وما بينهما صناعة الخلق المستمرة في الكتاب الكوني الكبير وذلك بالكلمة الإلهية "كن."

والعقيدة الكلية لابن عربي تنحصر في رؤية لغوية للكون، الكلمة الإلهية فيها هي القوة المانحة: كن "نفحة خلاقة"، أما الأسماء الحسنى وعليها قامت العوالم فهي "سُندٌ أنطولوجية" وعلى هذا فإن البنية الكونية هي نسيج هائل من الكلمات الإلهية.

إن سيمياء الحروف أو علم تصريف الحروف، أو كما يسميه البوني في شمس المعارف السِّحر الأبيض هو البحث عن الدلالة الحرفية من أجل كشف المعنى الباطني المتسامي.

ويرتبط الحرف بالعدد ارتباط الجسد بالروح. فالعدد في الواقع مجرد، هو "روح" شكل نقيٌّ يمنح القوة ويفسر اتجاهات الظواهر. أما الحرف فهو "جسد" لدلالة العدد، يعطيه المعنى الخارجي الخاص بكل كائن. وبهذا يصبح الكون كله "دلالة" وأن الكون كله "كتاب". وهذا الكتاب يجمع بين ثلاثة عناصر: 1- متكلِّم أعلى هو الخالق 2- مستقبِل هو العقل البشري 3 - الدلالات التي يعبر عنها خلق الكون. وعلم الحروف يساعد على تنمية رؤية الكون بكل أبعاده بشكل متجانس وموحد وذلك بالنسبة للصوفي بحكم كونه منغمسا في الظاهرة الكونية جسديا وروحيا وفكريا. والمفكر الصوفي يقرأ في علم سيمياء الحروف حركة وإيقاعات العالم. والنسيمي يركز على الكلمة تركيزا فلسفيا شديدا. يقول:

كالحقيقة الجوهرية روحي كلماتك

الجسم والروح، كلاهما، يا روحي كلماتك

في البدء كانت النقطة، ثم سالت فكانت ألفا، ومن الألف ولدت الحروف، ومن الحروف كانت الكلمة. وتصبح الكلمة لدى النسيمي معادلا للوجود الكوني ذاته، وهي آخرُ المطاف في المعرفة التي لا تنفد.

يقول: العقل الكوني، اللوح، القلم

العناصر الأربعة والسماء.. هم الكلمة

نور الوجود.. هو الكلمة

كن عاقلا، واعقل لسانك الرجراج

يا نسيمي، لأن ما لا ينفد.. هو الكلمة "

© یجب الاستناد بالارتباط التشعبي (hyperlinks) إلى أذرتاج في حالة استخدام الأخبار
في حالة وجود خطأ في النص نرجوكم ارساله الينا من خلال استخدام ctrl + enter بعد تحديده

الاتصال بالمؤلف

* املأ الحقول المشار إليها برمز

الأحرف المشار إليها آنفا