"العروبة" الأردنية تنشر مقالا عن اليوبيل التسعين لإنشاء جمهورية ناختشفان ذات الحكم الذاتي
باكو، 11 فبراير / شباط (أذرتاج).
كتب الصحفي والسياسي البارز سلطان الحطاب مقالا تحت عنوان "ناختشفان .. الخروج من العزلة واللحاق بالحضارة" على صفحة وكالة "العروبة" الأردنية للأنباء ) http://orobanews.com/index.php/arab-and-international/12693.( وتنشر وكالة (أذرتاج) هذه المقالة نقلا عن وكالة "العروبة":
" تربطني بجمهورية ناختشفان وهي جمهورية ذات حكم ذاتي تابعة لجمهورية أذربيجان المستقلة عام 1991 عن الاتحاد السوفيتي بعد تحلله وهذا الارتباط سببه أنني تزوجت سيدة من تلك البلاد تعرفت عليها طالبة جاءت للدراسة العليا في الأردن عام 1981 ومنذ ذلك الحين بدأ اهتمامي بذلك المكان الذي كان معزولاً لسنوات طويلة حيث كنت أصل إلى باكو عاصمة أذربيجان ولا استطيع في زمن الاتحاد السوفيتي ان أتوجه إلى تلك الجمهورية ذات الحكم الذاتي الواقعة على حدود إيران الشمالية وحدود تركيا الشرقية والتي يفصلها عن إيران نهر اراس، فقد كانت الزيارة إليها ممنوعة أو صعبة خاصة للأجانب لحساسيتها الجيوبوليتكية كونها موقعاً حدودياً .. وحين استقلت أذربيجان وداهمها الروس الذين وقفوا الى جانب أرمينيا جرى عزل ولاية ناختشفان عن الوطن الأم أذربيجان بشريط احتلته أرمينيا التي احتلت فيها بعض أراضي إقليم ناغورنو كارباخ الجبلية وحوالي 20% من أراضي أذربيجان ومازال الأمر قائماً حتى الآن ومازال الوصول إلى ناختشفان الجمهورية ذات الحكم الذاتي وعاصمتها بلدة " ناختشفان " أيضا يتم عبر الجو فقط فلا طريق بري تربطها بالوطن الأم والجمهورية تأخذ اسمها من النقش التاريخي وهي من أقدم بقاع الأرض التي سكنت وهناك روايات عديدة عن مخزونها الأثري الهائل .
زرت ناختشفان بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبتصريح خاص أول مرة في التسعينيات ثم تكررت زيارتي والتقيت برئيسها واصف طالبوف وعدد من المسئولين فيها وقد تطورت هذه الجمهورية كثيراً نظراً لازدياد مواردها غير النفطية ولوصول نسبة النمو فيها لأكثر من 3% ويزيد عدد سكانها الآن عن 400 ألف نسمة على مساحة من الأرض تصل إلى أكثر من (5) آلاف كم2 . وهي متصلة مع إيران في حدود طويلة ومع تركيا في حدود قصيرة جداً (8) كم فقط .. وفيها مراكز أو دوائر هي بابيك وجلفا وكانجارلي وناختشفان واردوباد وسدرك وشادور وشرور وهي قرى مع ضياعها .. وعلم ناختشفان هو نفس العلم الأذربيجاني .. ولغتها هي اللغة الاذرية ومعترف بها فقط كجزء من أذربيجان وليس لها تمثيل خارجي أو قوات خاصة وعملتها هي العملة الأذربيجانية (مانات).
وناختشفان الآن تنفتح على العالم وتتطور وتعمل على جلب الاستثمارات وتعزز أمنها الوطني من خلال أذربيجان لمنع أي تأثيرات للثورة الإيرانية أو تصدير أفكارها خاصة وان سكان الجنوب في أذربيجان عامة وناختشفان خاصة هم من الطائفة الشيعية أما العرق فهو من القومية التركية .
لقد كتبت عن هذه الجمهورية في كتابي عن (أذربيجان عروس القزوين وبلاد النفط ) الصادر عن دار العروبة للدراسات والاستشارات الإعلامية عام 2011 وهو الكتاب الذي جرى توزيعه باللغة العربية في الأردن والعالم العربي ..
أعاود الكتابة اليوم عن هذه الجمهورية بمناسبة جملة من أعيادها تمتعها بالحكم الذاتي منذ صدور أول دستور لأذربيجان المستقلة في 12/11/1995 وأيضا لمناسبة صدور دستورها الخاص بها كجمهورية ذات حكم ذاتي في 28/4/1998 يبقى أن أقول إن علاقة ناختشفان بالتاريخ العربي والإسلامي القديم علاقة راسخة منذ وصول الفاتحين لها ونشر الإسلام في ربوعها حيث مازالت أضرحة الفاتحين ومقاماتهم شاهداً على ذلك ..
تحتل ناختشوان الجنوب الغربي من سلسلة دار الايز وزانجيزور التي هي جزء من سلسلة جبال القوقاز الصغرى، وتنحصر بين أرمينيا (التي تفصلها تماما عن أرض أذربيجان التي هي جزء منها) وإيران التي تشترك معها في خط حدودي طويل ومستمر، وتركيا التي تشاطرها خطا حدوديا يمتد لكيلومترات قليلة في الجنوب الغربي. والنقل الجوي هو المستخدم غالبا، مما يحصر حركة التنقلات في نطاق ضيق، وينبغي على البضائع أو المسافرين الخارجين من أذربيجان السفر عبر طريق غير مضمون داخل إيران للوصول إلى ناختشوان. ونظرا لانعدام حرية النقل عبر أرمينيا، تعاني الجمهورية ذات الحكم الذاتي حصارا حقيقيا يذكي رغبتها في الوصول إلى حل سلمي للنزاع مع الأرمن.
وناختشوان غنية بمواردها الطبيعية كملح الصخر والمعادن النادرة، والزرنيخ والجبس والرخام، والمياه المعدنية المستخدمة لأغراض طبية، كما تمتلك ثروة نباتية وحيوانية قيمة، فضلا عن مناظرها الطبيعية رائعة الجمال، أما ما تمتلكه ناختشوان من مواقع تاريخية هامة فشاهد على التاريخ الطويل للعمران البشري على أرضها منذ بدء الزمان.
ولطالما كانت ناختشوان معبرا وجزءا من "طريق الحرير"، كما كانت في وقت ما معمورة بما لا يقل عن 150 ألف ساكن، وعرفت ازدهارا على الصعيدين الفني المحلي والتجاري، كما تمتعت ناختشوان بتاريخ سياسي لا يستهان به: فقد كان لحركة حورّامي في القرن التاسع الميلادي (778 - 838م) - حين قاوم أهل أذربيجان الحكام العرب - وجودا ملموسا في ناختشوان; وفي أواخر القرن العاشر وبعد عهد دولتي الساجيين والسالاريين الإقطاعيتين، قام نظام حكم الشاه في ناختشوان، والذي لم يستسلم إلا للأتراك السلاجقة عام 1064م. واستمرت أهمية المدينة في التنامي حتى عام 1175م، حين انتقلت عاصمة دولة أتابي - إيلدنييز الى تبريز في الجنوب. وقد أسفرت غزوات المغول أو "القبيلة الذهبية" والحرب بين الصفافدة وقوات الدولة العثمانية على أرضها، ثم غزوات الشاه عباس الأول، عن تآكل الرخاء الذي كان يوما في البلاد، وقام الشاه عباس بتوطين بعض من سكان ناختشوان المحليين في مازاندران وأصفهان وأماكن أخرى.
ولقد أضيرت ناختشوان من الحرب بين الصفافدة والإمبراطورية العثمانية في القرنين ال¯ 16 وال¯ .17 وبموجب معاهدة كرمان شاه (1732) الموقعة بين الشاه الصافدي تاهماسيب الثاني والسلطان التركي، صارت ناختشوان جزءا من تركيا، ثم عاد نادر شاه لاحقا لغزو ناختشوان وغيرها من أراضي احتلتها تركيا سلفا.
وبعد انهيار دولة نادر شاه في إيران عام ،1747 أسس حيدر جول خان، زعيم قبيلة كنجيرلي إمارة ناختشوان، التي صارت بذلك واحدة من 20 إمارة قامت على أرض أذربيجان في القرن ال¯ .18
كما حاول بعض اللوردات الإقطاعيين من المناطق المجاورة لناختشوان مثل كارتلي - كاخيني وقاراباغ وإيريفان ضمها لأراضيهم، وعلى إثر الحرب بين روسيا وفارس في أوائل القرن التاسع عشر، تعرضت ناختشوان وأراضي أخرى تابعة لأذربيجان للاحتلال من قبل الروس، وتنفذا لأوامر نيقولاي الأول تم إلغاء إمارة ناختشوان وإيريفان، وتأسيس مقاطعة أرمينية بدلا منهما. وتنص أحد بنود معاهدة تركمينتشاي المثيرة للاهتمام، على الإعداد لتوطين بعض الأرمن الموجودين بإيران وتركيا على أرض أذربيجان، ومن ضمنها ناختشوان وإيريفان كما ذكر آنفا. غير أن التوازن العرقي لم يتغير بصورة ملحوظة حتى قيام الاتحاد السوفيتي في المنطقة. ورغم الحفاظ على الأغلبية الأذربيجانية، استغلت حكومة روسيا الاستعمارية تعدد الأعراق بمهارة، لخلق حالة من عدم الاستقرار تمكنها من قمع الأصوات المطالبة بالاستقلال السياسي، ورغم تلك الظروف، ظهرت طبقة من المثقفين ساهمت بصورة كبيرة في إثراء ثقافة أذربيجان.
وحين سقطت حكومة القيصر، اندلعت الاشتباكات مع الأرمن عندما حاولوا بقيادة أندرانيك الاستيلاء على ناختشوان، وفي نوفمبر ،1918 قام كيان عُرف بجمهورية أراز - التركية التي استمرت حتى مارس ،1919 وضمت أقاليم شارور وديريلييز وأردوباد وسردار آباد وأولوخانلي وجيمرلي ومهري، وكانت ناختشوان عاصمة لها.
وعقب الحرب العالمية الأولى، كانت ناختشوان ضمن المناطق التي امتد إليها نفوذ المملكة المتحدة. وحين اعترف البريطانيون بجمهورية أذربيجان الديمقراطية، شكلت حكومة أذربيجان الناشئة إدارة عامة لناختشوان. وعينت باخرام أمير ناختشوان حاكما عاما. ومن جانبهم حاول الأرمن إنشاء "إدارة أرمينية"، غير أن جهودهم باءت بالفشل، حتى محاولتهم التي أعقبت حلول الولايات المتحدة محل بريطانيا في ناختشوان أواخر عام 1919 لتشكيل إدارة عامة أميركية تعمل لصالح الأرمن.
وبدخول الجيش الروسي الحادي عشر، فقدت أذربيجان استقلالها عام ،1920 وفي يوليو من العام نفسه، احتل جيش البلاشفة ناختشوان، وتم إعلان جمهورية ناختشوان السوفيتية الاشتراكية في الثامن والعشرين من الشهر، وذلك كجزء لا يتجزأ من جمهورية أذربيجان السوفيتية الاشتراكية. وكما حدث في قاراباغ، لم تتوقف مساعي الأرمن للاستيلاء على ناختشوان حتى بعد أن وطد السوفيت نفوذهم في أرمينيا.
وفي الأيام الأولى لحكم البلاشفة في القوقاز، تم توقيع اتفاق بين الداشناك والبلاشفة أثناء مذبحة مارس 1918 بدأ وعلى أثرها تحديد حدود جمهورية أذربيجان الديمقراطية; ففي البداية; في 20 نوفمبر 1920; تم ضم أراضي طالما تبعت أذربيجان من قديم الزمن، كمنطقة زانجيزور وغيرها (بلغت المساحة الكلية لتلك الأراضي 9800 كيلومترا مربعا) الى جمهورية أرمينيا السوفيتية. غير أن خطط الأرمن كانت ترمي لأبعد من ذلك، وكانت ناختشوان الهدف الرئيسي، واعتبر ضم زانجيزور خطوة نحو تحقيق هذا الهدف. وباستيلاء أرمينيا على زانجيزور، التي كانت حلقة الوصل بين ناختشوان وأهم مناطق أذربيجان صارت ناختشوان محاصرة بأراضي أجنبية، وصار بذلك حصولها على الحكم الذاتي أمرا لا مفر منه.
وكانت وقفة أهل ناختشوان الحازمة في وجه أطماع الأرمن سببا في فشل جهودهم للاستيلاء عليها، حيث صوت أكثرمن 90% من سكان ناختشوان لصالح الانضمام إلى أذربيجان في استفتاء عام عقد بحضور وفود من روسيا وأذربيجان وروسيا أوائل عام 1921.
وتأكد وضع ناختشوان كجمهورية بين روسيا وتركيا في 16 مارس عام 1921 ومعاهدة كارس بين روسيا وأذربيجان وجورجيا وأرمينيا وتركيا في أكتوبر من نفس العام، مما كان له عظيم الأهمية على الصعيد السياسي وقتها.
وفي ديسمبر 1922 صدقت أول هيئة تشريعية عليا لسوفيت ما وراء القوقاز على قرار خاص بناختشوان كجمهورية ذات حكم ذاتي، وكجزء لا يتجزأ من جمهورية أذربيجان السوفيتية. وفي ديسمبر 1923 طالبت اللجنة الثورية المركزية لما وراء القوقاز بالتأكيد على هذا القرار، وهو ما تحقق في يناير 1924 وبموجب القرار الصادر من اللجنة المركزية التنفيذية لأذربيجان بتاريخ 9 فبراير 1924 أعلن قيام جمهورية ناختشوان السوفيتية الاشتراكية ذات الحكم الذاتي على أرضها.
ورغم اضطرار أرمينيا للاعتراف الرسمي بناختشوان كجزء لا يتجزأ من أرض أذربيجان، إلا أنها لم تتوقف عن المطالبة بها كجزء من أراضيها. وبالفعل نجحت السلطات الأرمينية، بدعم من مؤيديها في موسكو، في الاستحواذ على بعض من أراضي ناختشوان، ففي 1929 - ،1930 وبموجب قرار من اللجنة الثورية المركزية لما وراء القوقاز، تم ضم أكثر من 657 كيلومترا مربعا من أراضي ناختشوان إلى أرمينيا; وفي ،1930 مُنحت ألدير وليهفاز وأستازور ونوفيدي وغيرها من المستوطنات إلى أرمينيا، مشكلة بذلك مقاطعة مهري; هذا ولم يتخل الأرمن عن نواياهم تجاه ناختشوان، ولا تزال مطالبهم بالمزيد من أرضها مستمرة.
وغلب الطابع السوفيتي على المرحلة التالية من تاريخ ناختشوان; ففي أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات، شهدت المنطقة إنشاء عدة مشروعات صناعية، كما ساهمت بقوة في خدمة الحرب العالمية الثانية؛ وبعد انتهاء الحرب، تم إنشاء المزيد من المشروعات الصناعية وتحول النشاط الزراعي الخالص الى نشاط زراعي - صناعي مزدهر.
وفي 19 كانون ثاني (يناير) 1990 تعرضت قرية كيركي التابعة لإقليم شيرور في ناختشوان للغزو من قبل الأرمن، برعاية الجيش السابع لوزارة دفاع الاتحاد السوفيتي. وتجدر الإشارة هنا الى ان ما قام به الأرمن من تخريب للآثار حول قرية كيركي، والتي يعود تاريخها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، يعد عملا همجيا ضد الإرث الثقافي للإنسانية جمعاء. وفي نفس اليوم، صوت المجلس الأعلى لجمهورية ناختشوان - الكيان الحاكم بها - لصالح الانسحاب من اتحاد الجمهوريات السوفيتية. مما دفع - ضمن أسباب أخرى - الجمهورية السوفيتية لإصدار الأمر لجيشها بدخول باكو، حيث ارتكبت الفظائع المذكورة سلفا والتي بدأت في يناير الأسود. وفي صيف 1990 عاد حيدر علييف - والذي كان مقدرا له فيما بعد أن يلعب دورا هاما كرئيس لأذربيجان كلها - إلى ناختشوان مسقط رأسه، ليصبح رئيسا للبرلمان المحلي. وفي 17 تشرين ثاني (نوفمبر) 1991 أخذت ناختشوان خطوة جريئة بحذف كلمتي "السوفيتية والاشتراكية" من شعار الدولة، ورفع علم أذربيجان المستقلة، وذلك بموجب قانون أصدره البرلمان المحلي. وبنهاية عام ،1991 لم يعد للاتحاد السوفيتي وجود، ليصير بذلك استقلال ناختشوان حقيقة، ولتصبح جزءا لا يتجزأ من الجمهورية الأذربيجانية الجديدة.
وأخيرا، وفي أول دستور لأذربيجان المستقلة، والصادر في 12 نوفمبر 1995 أعلنت ناختشوان جمهورية تتمتع بالحكم الذاتي، وفي 28 أبريل 1998 صار لها دستورها الخاص بها."
انتهى