ثقافة


صحيفة "الرياض" تكتب عن جبل النار في أذربيجان

باكو، 10 يناير (أذرتاج)

كتبت صحيفة "الرياض" بالمملكة العربية السعودية مقالا للكاتب الصحفي عبدالرحمن السلطان في عنوان "شعلات باكو".

تعيد وكالة اذرتاج نشر المقال:

"لم أستطع الانتظار طويلاً بعد وصولي إلى عاصمة أذربيجان من الانطلاق مع أصدقائي نحو شُعلات جبل النار! أو ما يطلق عليه باللغة المحلية "يانار داغ".

يشكّل اهتمامي بالعلوم دافعاً إضافياً للسفر والترحال، واقتناص فرصة الوقوف على ظواهر علمية مثيرة في دول مختلفة، ومحاولة فهمها وإدراك تفسيرها العلمي، ومنها ظاهرة اشتعال النار في شقوق بعض جبال جمهورية أذربيجان.

تقع شُعلات النار قرب قرية "محمدلي" في شبه جزيرة "أبشوران"، خارج العاصمة، حيث استغرق منا الطريق نحو نصف ساعة حتى الوصول إليها من وسط "باكو".

هذه الشعلات التي يعتقد أن اشتعلت بفعل خطأ راعي أغنام قبل سبعين عاماً، مماثلة للظاهرة التي لفتت نظر الرحالة الإيطالي الشهير "ماركو بولو" قبل ثماني مئة عام، حينما دوّن ما شاهده حين مروره بأذربيجان في القرن الثالث عشر، ناهيك عن ما تناقلته قصص الأساطير وتجار درب الحرير عن مشاهدات الشعلات المتفرقة أثناء سفرهم، مما أكسب البلاد اسم شهرتها: "بلاد النار".

كانت هذه النار تُلمح من بعيد، ولكن بعد تحويل المنطقة إلى محميّة حكومية وبناء المنطقة المحيطة بمدرج للمشاهدة أضحى لا يمكن مشاهدتها والإحساس بحرارتها إلا بالقرب منها، بالإضافة إلى رائحة الغاز التي تنبعث، وهو التفسير العلمي البسيط للظاهرة، إذ تنبعث ألسنة اللهب من تشققات في تشكيلات الحجر الرملي يصل ارتفاعها في بعض الأحيان إلى ثلاثة أمتار، خاصة وأن أذربيجان وشواطئها على بحر قزوين، تقع على مخزون ضخم من الغاز الطبيعي.

تشير الكتب والروايات أن العديد من الشعلات كانت متفرقة في أنحاء البلاد منذ ما قبل الميلاد، مما شكل ازدهاراً للديانة المجوسية الزرادشتية القادمة من إيران، إذ تمثل بيوت النار مركز العبادة والتقديس، وحلقة الوصل بين المؤمنين بها والعالم الخارق، وهي أيضاً أداة الحكمة والبصيرة الروحية، وهو ما جعل بعض عبدة النار ينشؤون معبداً للنار بالقرب من هذه الشعلات، تؤكده الآثار المتبقية.

وحتى تاريخنا اليوم لا تزال لُهب النار تلعب دوراً رمزياً في الوجدان الأذربيجاني، إذ تجدها مثلاً في ممشى شهداء استقلال وحروب البلاد، الذي يحتوي على شعلة أبدية لا تنطفئ، تقع بالقرب من أبراج الشعلة الثلاثة، وهن ثلاث ناطحات سحاب، شيدن قبل عشر سنوات على تلة مرتفعة على شكل ألسنة نار تشتعل، وتتحول واجهات الأبراج إلى شاشات عرض عملاقة، تمكّن قاطني العاصمة من مشاهدتها من مسافات بعيدة.

كان الإنسان القديم يتعجب من هذا اللهب المتواصل، الذي لا يتأثر بهبوب الرياح أو هطول الأمطار، أو حتى تساقط الثلوج، مما جعله يؤمن بقوى سحرية أو مقدسة، ولم يكن يدرك أنها مجرد شقوق يتسرب منها الغاز الطبيعي بفعل اختلاف الضغط، حتى جاء العلم وفسرها، هذا العلم الذي لا يفسر ما نجهله فقط، بل يأخذنا دوماً إلى الأمام."

 

© یجب الاستناد بالارتباط التشعبي (hyperlinks) إلى أذرتاج في حالة استخدام الأخبار
في حالة وجود خطأ في النص نرجوكم ارساله الينا من خلال استخدام ctrl + enter بعد تحديده

الاتصال بالمؤلف

* املأ الحقول المشار إليها برمز

الأحرف المشار إليها آنفا