وكالة انباء الشرق الاوسط المصرية تنشر مقالا عن ذكرى مرور 150 عام على صدور اول صحيفة اذربيجانية
القاهرة، 29 يوليو، (اذرتاج)
صادف أيام "منتدى شوشا الإعلامي الدولي"، الذي عقدت نسخته الثالثة بعاصمة الثقافة الأذرية تحت عنوان "المسارات الرقمية: تعزيز مرونة المعلومات والإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي" في الفترة من 19 إلى 22 يوليو الجاري، تاريخا مهيبا يحتفل فيه شعب أذربيجان بذكرى مرور 150 عام على تأسيس الصحافة الوطنية مع صدور أول عدد لصحيفة "أكينجي"، أي فلاح باللغة الأذربيجانية وبالحروف العربية في 22 يوليو عام 1875 بمبادرة من المثقف حسن بك زردابي.
أفادت اذرتاج نقلا عن وكالة انباء الشرق الأوسط ان هذا الحدث التاريخي أنجب جيلا كبيرا من المفكرين والكتّاب الذين لعبوا دورًا حاسمًا في تشكيل الهوية الثقافية الحديثة لأذربيجان، مما جعل من يوم 22 يوليو ليس فقط يومًا للصحافة، بل رمزًا للبداية الواعية لمسيرة التنوير الفكري والاجتماعي في البلاد.. وفي هذا السياق، كان يقول حسن بك زردابي "يجب على الصحافة أن تخدم الشعب، لا على الشعب أن يخدم الصحافة".
ولم تكن "أكينجي" صحيفة حكومية بحتة، رغم أنها صدرت بدعم جزئي من حاكم باكو العام حينذاك، بل كانت مشروعاً فكرياً بامتياز، حيث أراد حسن بيك زردابي من خلالها أن يخاطب عامة الناس، وخاصة الفلاحين، بلغة مفهومة وقريبة من الحياة اليومية.. وكان يكتب ويقول "لا أريد أن تكون صحيفتي للعلماء والنخبة فقط، بل للفلاحين والبسطاء الذين هم عماد المجتمع".
واهتمت الصحيفة بقضايا (التعليم، والطب، والزراعة، ونقد الجهل والخرافات)، ودعت إلى الدراسة والنهضة الحضارية.. وأكد زردابي على هذا المعني قائلا: "لا خلاص لأمتنا إلا بالعلم والعمل، أما التقليد الأعمى والكسل فهما عدوان خفيان".
وكانت صحيفة "أكينجي" المرموقة أيضا موسوعية تُبلغ ما يحدث في العالم من معلومات عن ثقافة الشعوب وتاريخها واقتصادها للقارئ الأذربيجاني، كما كانت بمثابة جسر إعلامي وثقافي بين الشعوب والبلدان حينذاك، حيث نجد على صفحاتها معلومات شيقة عن جيران أذربيجان وبلدان العالم.
وساهمت "أكينجي" في زيادة التقارب الإعلامي والصحفي بين الشعبين الأذربيجاني والمصري أيضا، فنجد في عددها الصادر في 5 أغسطس 1875 عن أعمال إنشاء قناة السويس، حيث تقدم معلومات عن طولها وعرضها، وأن هذه القناة تروج التجارة في المنطقة.
وإذا نظرنا إلى الصحافة المصرية ونظيرتها الأذربيجانية، فنجد أن الأولى أقدم من الثانية في تاريخ نشأتها بعدة عقود، وذلك عند بدء رحلتها مع صحيفة "الوقائع المصرية"، لكن أهداف كلاهما كانت في البداية واحدة ومتشابهة، وهي التنوير والتوعية وتعزيز الهوية الوطنية المستقلة التي لايزالان يعتبران من أهدافهما حاليا.
وعلى الرغم من صدور 56 عددا فقط من صحيفة "أكينجي" بين 22 يوليو 1875 وسبتمبر 1877، إلا أنها لعبت دورًا محوريًا في تشكيل وتطوير الصحافة الوطنية الأذربيجانية.. وسرعان ما اكتسبت "أكينجي"، التي اضطلعت بمهمة التنوير بشكل رئيسي، شعبية واسعة بين المثقفين وعامة الناس، إلا أن هذا النشاط لم يدم طويلًا بسبب الخشي من تأثير الصحيفة على تنوير الناس وتغلغلها في العمليات الاجتماعية والسياسية، تم كثرت الضغوط عليها، مما أدى في النهاية إلى توقف صدورها.
ومع ذلك، ساهمت منشورات عديدة صدرت بعد النصف الثاني من القرن الـ19 إسهامات كبيرة في تنوير الناس، وتكوين الوعي الوطني، وتحقيق تطلعات الشعب الأذربيجاني إلى الحرية، وحماية قيمه الروحية.. ومن بين هذه الصحف والمجلات: "الملا نصر الدين"، "ضياء"، "كاسبي"، "كشكول"، "حياة"، "فيوضات"، "أجيق سوز"، وغيرها.
وفي فترة ما قبل إنشاء جمهورية أذربيجان الديمقراطية، وهي الأولى من نوعها في الشرق الإسلامي عام 1918، أصبحت الصحافة منبراً لنقل أفكار التنوير والنقاش حول الهوية الوطنية والمطالبة بحقوق الشعب الأذربيجاني.
ولم تكتفِ الصحافة في تلك الفترة بنقل الأخبار، بل ساهمت بفعالية في تعزيز فكرة الدولة الحديثة والدفاع عن الاستقلال الوطني والترويج لمفاهيم التعليم المدني وحقوق الإنسان وتشجيع المرأة على المشاركة في الحياة العامة.
وشهدت الصحافة الوطنية الأذربيجانية مسيرة حافلة على مر العصور.. ففي العصر الحديث، يرتبط تطور الإعلام الأذربيجاني ارتباطًا وثيقًا باسم الرئيس السابق حيدر علييف، وقد أشاد القائد الوطني الأذربيجاني دائمًا بتأثير الصحافة على المجتمع، ونفذ تدابير هادفة لتعزيز حرية الصحافة والتعبير، ومع إلغاء الرقابة عام 1998 بدأت الصحافة تنمو وتشهد تقدما كبيرا.
وتعتبر وكالة الأنباء الأذربيجانية الرسمية "أذرتاج" إحدى ركائز الإعلام والعمل الصحفي في البلاد، و تحتفل "أذرتاج" بمرور 105 أعوام على تأسيسها، إذا يتم جمع كل الأخبار والصور الخاصة بالوكالة على مر هذه السنين، ويمكن خلق صورة مكتملة لأذربيجان وشعبها.
والآن، تشهد منطقة جنوب القوقاز تطورات سريعة في مجالات عدة، مما يضع على عاتق وكالة "أذرتاج" تحسين نشاطها المهني والاستجابة لكل المتطلبات العصرية، وكذلك يواجه مجال الإعلام في العالم تحديات كبيرة مع النمو السريع لتكنولوجيا المعلومات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي.
وفي الماضي كان الناس يصنعون الأخبار، لكن الآن الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي صنعه الانسان هو الذي يعد الأخبار، وانتشرت حالات التزوير والكذب والفبركة في الأخبار والصور والفيديو، مما يتطلب من وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأخرى التحلي بأقصى الدقة والمصداقية في مكافحة مثل هذه الأنباء.. إذا كانت الصحافة في بداياتها تواجه بعض المشاكل الإدارية والفنية والمادية، لكن الآن هي تواجه تحديات أخرى.