وزير الاقتصاد الأذربيجاني يستعرض في حوار مع أذرتاج ملامح التحول الرقمي والمؤشرات الاقتصادية واستراتيجية إعمار قراباغ
باكو، 11 يونيو، أذرتاج
استعرض وزير الاقتصاد الأذربيجاني ميكائيل جباروف في مقابلة خاصة مع قناة التلفزيون العامة إيه تي وي ووكالة أنباء أذربيجان الحكومية أذرتاج الأهداف الاقتصادية للبلد على المديين المتوسط والطويل في ظل المتانة الاقتصادية الكلية وانخفاض مستويات الدين الخارجي.
وأكد جباروف أن الهدف الأساسي يكمن في بناء هيكل اقتصادي متنوع ومستدام يرتكز على أسس مالية صلبة ولا يعتمد حصراً على الموارد الطبيعية كالنفط والغاز، مشيراً إلى أن الأولوية تكمن في توفير فرص عمل جديدة قائمة على المعرفة تضمن حياة كريمة للمواطنين.
وأوضح الوزير أن احتياطيات البلد من النقد الأجنبي والذهب تجاوزت حالياً الناتج المحلي الإجمالي وذلك يمنح الاقتصاد حصانة ضد الصدمات الخارجية، مضيفاً أنه نظراً لمحدودية السوق المحلية يتطلب النموذج الاقتصادي الناجح بالضرورة التوجه نحو التصدير، بحيث لا يقتصر ذلك على السلع المادية بل يشمل تصدير الخدمات مثل السياحة والقطاعات المالية والمهنية لجذب العملة الصعبة أيضا.
وفي رده على سؤال حول هيكل الناتج المحلي الإجمالي والقطاعات غير النفطية ذات الأولوية، أعلن جباروف أن القطاع غير النفطي شكل أكثر من 5ر71 في المائة من حجم الاقتصاد الأذربيجاني عام 2025 مقارنة بنسبة لم تتجاوز 45 في المائة قبل 20 عاماً، مما يعكس نجاح السياسات المتبعة.
وأشار إلى أن تحديد القطاعات الحيوية يجري عبر تنسيق حكومي موحد ومن خلال المجلس الاقتصادي وتأتي الصناعات غير النفطية في مقدمتها نظراً للاستقرار السياسي والمالي وأسعار الطاقة الملائمة والبنية التحتية القوية.
كما كشف الوزير عن آفاق واعدة في قطاع التعدين والمعادن، لا سيما بعد استعادة الأراضي المحتلة من قبل أرمينيا التي تضم مناجم غنية بالذهب والفضة والنحاس مثل حقل زود، مؤكداً أن الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعدين في مراحلها النهائية إلى جانب التركيز على الصناعات الكيميائية المعتمدة على المواد الخام المحلية والزراعة المدعومة حكومياً وقطاع النقل واللوجستيات الذي حول البلد إلى مركز استراتيجي ضمن الممر الأوسط ومسار النقل من الشمال الى الجنوب، فضلاً عن السياحة والرقمنة وتكنولوجيا المعلومات كشروط أساسية للتنمية الفعالة.

وحول إمكانات التصدير غير النفطي وجذب الاستثمارات، أوضح وزير الاقتصاد أن أذربيجان نجحت في مضاعفة صادراتها غير النفطية تقريباً خلال السنوات الست الماضية، مع تسجيل نمو تجاوز 17 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي. وأفاد بأن الدولة تسعى لتوسيع الجغرافيا التصديرية عبر اتفاقيات تجارة تفضيلية مع بلاد مثل تركيا والإمارات وباكستان، مؤكداً أن الاستثمارات الخاصة والأجنبية المباشرة لا تجلب رأس المال فحسب، فالبلد يمتلك سيولة كافية، بل وتنقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة وتخفض تكاليف الإنتاج أيضا.
وأقر جباروف بوجود تحديات تتعلق بمحدودية السوق المحلية وتوافر القروض طويلة الأجل لقطاع الصناعة، مشدداً في الوقت ذاته على أن السمعة التاريخية لأذربيجان في الالتزام بالاتفاقيات الدولية تعزز ثقة المستثمرين وأن استمرار تحقيق الفائض في الميزان التجاري يدعم استقرار العملة الوطنية والأسعار، مؤكداً أن قفزة التصدير تتطلب عملاً متوازياً يشمل جودة المنتج واللوجستيات والتمويل وتطوير العلامات التجارية.
وفي رده على سؤال بشأن آليات الدعم الحكومي والمشاريع الاستراتيجية الجديدة، أبلغ جباروف أن الحكومة تستخدم أدوات فعالة مثل المناطق الصناعية ومنطقة ألات الاقتصادية الحرة وتوسيع برنامج دعم فوائد القروض البنكية وتخفيض تكاليف اللوجستيات.
وكشف عن دراسة آلية تتيح للمستثمرين استخدام أموال ضريبة القيمة المضافة المسجلة في حساباتهم الخاصة لسداد مستحقات التأمين الاجتماعي، إلى جانب تقديم صندوق تطوير الأعمال الأذربيجاني قروضًا ميسرة تتجاوز 200 مليون مانات سنوياً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع دخول الدولة كشريك في المشاريع الكبرى لتقاسم المخاطر.
وسلط الوزير الضوء على مشاريع استراتيجية ستعزز التصدير قريباً، أبرزها بناء مصنع طاشكسن لخام الحديد بتكلفة تقدر بنحو 2 ملياري مانات وتطوير حقل زود ومضاعفة إنتاج الألومنيوم إضافة إلى مشاريع الطاقة المتجددة مثل محطة الطاقة الشمسية بقدرة 230 ميغاوات لشركة مصدر ومحطة طاقة الرياح بقدرة 240 ميغاوات لشركة أكوا باور ومشروع شفق مع شركة بي بي، مؤكداً أن هذه المشاريع ستوفر الغاز الطبيعي المستخدم محلياً لتوجهه نحو التصدير وتحويل أذربيجان إلى مركز عالمي للطاقة.
وتحولاً إلى آفاق قطاع النفط والغاز في ظل تراجع الإنتاج، ذكر جباروف أن القطاع يمثل 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ويلعب دوراً حيوياً في الإيرادات الحكومية، مبيناً أن إنتاج النفط انخفض من ذروته البالغة 51 مليون طن عام 2010 إلى 7ر27 مليون طن عام 2025، في حين شهد إنتاج الغاز ارتفاعاً ملحوظاً.
وأضاف أن مشاريع إنتاج الغاز العميق في مجموعة الحقول البحرية أذري وتشيراق وجونشلي وتطوير حقول أبشرون وبابك وأوميد وباهار وقوم دنيز وقراباغ تضمن بقاء البلد مورداً موثوقاً لعقود، بالتوازي مع دراسة أساليب الإنتاج غير التقليدية بين شركة النفط الوطنية الاذربيجانية سوكار وشركاء دوليين.
وأشار إلى التوسع الخارجي لشركة سوكار عبر الاستثمار في مصافي النفط والبتروكيماويات في تركيا ومشاريع الإنتاج في الإمارات وإسرائيل وأوزبكستان وإفريقيا تحديدا في كوت ديفوار وشراء شركة إيتاليانا بيترولي الاستراتيجية التي تستحوذ على 35 في المائة من السوق الإيطالية، مؤكداً أن أذربيجان تمد حالياً 16 بلدا بالغاز الطبيعي لدعم أمنها الطاقي.
ونوه الوزير إلى نقل نفط تركمانستان وكازاخستان عبر البنية التحتية الأذربيجانية نحو الأسواق العالمية، معلناً عن بدء تنفيذ مشروع مصفاة نفط حديثة وضخمة بالتعاون بين الحكومة وسوكار يستغرق بناؤها بين 5 إلى 6 سنوات لإنتاج الوقود السائل والجيل الجديد من المنتجات البتروكيماوية وفق أعلى المعايير البيئية والتجارية.

وفي رده على سؤال حول دور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، أوضح أن الرقمنة لم تعد قطاعاً منفصلاً بل أصبحت عنصراً أساسياً ومحركاً رئيسياً للأنشطة اليومية لدى الشركات والمستثمرين، مشيراً إلى إقرار برنامج دعم تطوير الاقتصاد الرقمي في ديسمبر 2025 الذي يشهد خلال عام 2026 تنفيذ خارطة طريق للتحول الرقمي لـ 15 منشأة مختارة بهدف استعراض كفاءتها الاقتصادية في زيادة الإيرادات وخفض التكاليف بشكل عملي.
وأفاد الوزير بأن إنشاء مجلس التطوير الرقمي برئاسة النائبة الاولى للرئيس وتطوير مراكز البيانات اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي يعدان من المشاريع ذات الأولوية، حيث يمتلك أذربيجان كل المقومات لتصبح مصدراً لهذه الخدمات إلى البلاد المجاورة بفضل مناخ الاستثمار المستقر وشبكات الاتصالات المتطورة وأسعار الطاقة الملائمة التي تغطي العبء الأكبر في تشغيل هذه المراكز.
وكشف جباروف أنه كمخرج للمباحثات واللقاءات التي أجراها رئيس الجمهورية في منتدى دافوس الاقتصادي في يناير 2026 ومؤتمر ميونخ للأمن في فبراير 2026، سيتم في الأشهر المقبلة الإعلان الرسمي عن شراكات استراتيجية مع شركاء تكنولوجيين عالميين لإنشاء مراكز بيانات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى أن الطلب الحالي من القطاعين الحكومي والخاص على السوبر كمبيوتر الموجود في وزارة الاقتصاد يتجاوز قدراته التقنية الحالية، مما يعكس وتيرة النمو المتسارعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الطب والتعليم والضرائب والجمارك، وهو ما يرتبط مباشرة بجهود تعزيز رأس المال البشري وتعميق التعاون الأكاديمي.
ورداً على سؤال يتعلق بالدور الذي يلعبه التحول الرقمي في مكافحة الاقتصاد الموازي، أبلغ أن الأدوات الرقمية والتحليلات القائمة على البيانات تساهم بمساهمة محورية في الكشف المبكر عن المخالفات والحد منها وهو ما ينعكس بوضوح في الديناميكية الإيجابية للإيرادات المالية والتحصيلات الضريبية والجمركية المتنامية.
وأشار الوزير إلى أن آلية إعفاء الأفراد في القطاعين غير النفطي والخاص من ضريبة الدخل خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2025 حققت نتائج ملموسة تجاوزت التوقعات، حيث شهد البلد توقيع أكثر من 70 ألف عقد عمل دائم سنوياً كمتوسط ليصل الإجمالي إلى نحو 500 ألف عقد خلال 7 سنوات تشكل عملية إخراج الأنشطة من الظل الجزء الأكبر منها بالتوازي مع الارتفاع الحاد في الإيرادات الضريبية ومدفوعات التأمين الاجتماعي ومتوسط الأجور للأفراد.
وأكد جباروف أن حجم الاقتصاد الموازي انخفض بانخفاض ملحوظ في القطاعات الاقتصادية التقليدية رغم عدم حل المشكلة كلياً، مشدداً على أن منصات مثل الفواتير الإلكترونية والضرائب الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني ومنصة دوست والخدمات الإلكترونية وبوابة الحوكمة ماي غوف تمثل مصافي إدارية حازمة لمنع العمليات الموازية وضبطها وليست مجرد أدوات لتسهيل الإجراءات اليومية.
وحول المؤشرات الاقتصادية الكلية والتوقعات للعام الحالي، أوضح أن تقديم تنبؤات دقيقة لخط النهاية من العام يعد أمراً معقداً نظراً لتأثير الأزمات الجيوسياسية مثل أزمة الخليج على الأسواق العالمية للطاقة والأسمدة والمعادن التي تنتجها وتصدرها أذربيجان، فضلاً عن التوجهات العالمية المتعلقة بتضخم الدولار وتأثيراته على الأسعار.
وبين الوزير أن تباطؤ معدلات النمو في الأشهر الـ 4 الأولى من العام يعود بشكل رئيسي إلى إعادة جدولة مواعيد تنفيذ بعض المشاريع الاستثمارية الحكومية مما تسبب في تراجع حاد في قطاع البناء الحكومي وليس الخاص، مؤكداً تسجيل نمو في كافة القطاعات الأخرى غير النفطية مقابل تراجع قطاع النفط والغاز، مما يثبت تحول القطاع غير النفطي إلى القوة الدافعة للاقتصاد الوطني بعد أن بلغ متوسط نموه السنوي 6 في المائة في الفترة من 2021 الى 2025 و 7ر5 في المائة في الفترة من 2022 الى 2025 مقارنة بمعدل النمو العالمي البالغ 9ر6 في المائة والبلاد النامية البالغ 8ر3 في المائة.
وأضاف جباروف أن الأشهر الـ 4 الأولى شهدت نمواً بنسبة 9 في المائة في قطاع المعلومات والاتصالات و8ر7 في المائة في الصناعات غير النفطية و5ر4 في المائة في النقل و7ر3 في المائة في التجارة، بينما تباطأت وتيرة قطاع السياحة نتيجة الأوضاع الإقليمية، في حين استمر النمو السريع للصادرات غير النفطية بنسبة تجاوزت 17 في المائة.
واختتم الوزير بالإشارة إلى أن الإيرادات الإضافية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأشهر الـ 3 الماضية توجّه لدعم احتياطيات صندوق النفط الحكومي والبنك المركزي لضمان الاستقرار المالي وضبط الأسعار، مؤكداً أن المبالغ الضخمة المخصصة للمناطق المحررة تمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأجل سيؤتي ثماره مع عودة المواطنين المستمرة واستعادة النشاط الاقتصادي الشامل.

وفي رده على سؤال حول الآثار الاقتصادية لإعادة دمج منطقتي قراباغ وزنكزور الشرقية في الحياة الاقتصادية، أكد أن عملية اعادة البناء والإعمار والعودة تمثل فكرة وطنية سامية عاش البلد من أجلها بقيادة رئيس الجمهورية وتضحيات الجيش والشعب وليست مجرد مشروع ذي أهداف اقتصادية بحتة، مشدداً على أن تحقيق الاستدامة الاقتصادية عبر توفير فرص العمل والنشاط الاقتصادي للمواطنين العائدين هو الشرط الأساسي لضمان ديمومة العودة واستقرارها.
وأوضح الوزير أنه تم تحديد التخصص الاقتصادي لكل منطقة، حيث جرى تأسيس منطقتين صناعيتين هما مجمع أغدام الصناعي لتعزيز القدرات الصناعية ومجمع وادي آراز الاقتصادي لخدمة قطاعات النقل واللوجستيات المنبثقة عن ممر زنكزور، مشيراً إلى أن مجمع أغدام أصبح يحتل المرتبة الثانية وطناً بعد مجمع سومقاييت من حيث عدد الشركات بحصول 31 منشأة على صفة مقيم و5 كغير مقيم وتعمل منها 13 منشأة حالياً، بينما يضم مجمع وادي آراز 20 مقيماً و3 غير مقيمين.
وذكر جباروف أن البنية التحتية من طاقة وطرق ومرافق اجتماعية تُبنى وفق مبدأ الاستباقية وفتح الطرق أولاً كاستثمار طويل الأجل، لافتاً إلى إطلاق مشاريع كبرى في قطاع التعدين تشمل استغلال مقالع الحجارة في شاه بولاق وحقل دولت يارلي للحجر الجيري وحقول أحجار الكسوة في خوجالي ومجمع دميرلي لتصنيع الخام في أغدره وحقل زود وحقول الجير في قبادلي ولاتشين إلى جانب نقل نموذج المجمع الزراعي التجريبي من يفلاخ إلى المناطق المحررة وفي قطاع الخدمات تطبيق نموذج المدينة الجامعة عبر مشروع جامعة قراباغ في خانكندي لتقديم تعليم بلغات متعددة وربطه بالنظام البيئي الاقتصادي، معلناً أن المرحلة المقبلة ضمن برنامج الدولة الثاني للعودة الكبرى ستشهد تمديد الإعفاءات الضريبية والجمركية وتأمينات الحياة والمرافق الخدمية وتوسيع آليات دعم القروض والائتمان.
ورداً على سؤال حول خطوات دعم ريادة الأعمال والتحديات القائمة، أكد أن المعيار الأساسي لقياس نجاح القطاع الخاص يكمن في حجم مدفوعاته الضريبية الناشئة عن النشاط الاقتصادي الحقيقي وتحقيق الأرباح التجارية الفعالة.
وأوضح الوزير أن الدولة تطبق إعفاءات ضريبية وجمركية واسعة في نخجوان والمناطق المحررة والمجمعات الصناعية لتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية والصناعية طويلة الأجل مقارنة بالتجارة قصيرة الأجل، إلى جانب تقديم القروض الميسرة ودعم الفوائد وآليات الضمان الحكومي للقروض لحل مشكلات الرهن العقاري وصرف 200 مليون مانات سنوياً أخرى عبر صندوق تطوير الأعمال للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ومشاركة الدولة كشريك أقلي في المشاريع الكبرى لتقاسم مخاطر رأس المال الأساسية.
وأقر جباروف بوجود تحديات مثل صعوبة الوصول إلى التمويل والبيروقراطية التنظيمية الزائدة في بعض الأحيان ومنافسة بعض الشركات الحكومية للقطاع الخاص في نفس الأسواق مما يتطلب ضمان بيئة منافسة عادلة وشروط متساوية، مستدركاً بأن نمو استثمارات القطاع الخاص في رأس المال الثابت بالقطاع غير النفطي بنسبة تجاوزت 15 في المائة خلال الأشهر الـ 4 الأولى من العام لتصل حصته إلى 1ر51 في المائة من إجمالي الاستثمارات يعكس ثقة رأس المال الخاص في البيئة الاستثمارية، مؤكداً مواصلة الاستماع لصوت المستثمرين عبر مجموعات العمل النشطة برئاسة نائب رئيس الوزراء والاستفادة من تسليط الإعلام الضوء على مشكلاتهم لتطوير الحلول المناسبة.