لحظات من العمر المهدى للشعب: عام 1988-1989م
باكو، 17 نوفمبر، أذرتاج
نشاط واسع النطاق لمؤسس دولة أذربيجان المستقل الحديث الشخصية السياسية البارزة حيدر علييف يتضمن حقبة كاملة من تاريخنا الحديث. ورأس هذه الشخصية المرموقة على أذربيجان خلال الفترتين المتباينتين تماما خلال 1969-1982 فترة سلطة الاتحاد السوفييتي و1993-2003 العقد التالي لاستعادة استقلال البلد. يعد حيدر علييف مؤلف نهضة أذربيجان. انتخابه رئيسا للجمهورية عام 1969م قد غير وتيرة الحياة باستبدال الركود والعطالة اللذين كانا يستوليان على جميع المجالات الى ذلك الحين بالانتعاش والنهضة حيث وضع انطلاق طريق يقود الى النهضة.
أبدى حيدر علييف الذي عاد الى الحكم تلبية لدعوات الشعب المصرة في فترة صعبة ومعقدة كان أذربيجان يعيش خلالها سنواته المصرية بعد استعادته استقلال الدولة عام 1991م أمثلة التفادي والتضحية منقطعة النظير من اجل إنقاذ الوطن الغالي. وخلص أذربيجان من خطر الانقسام وفقدان الاستقلال ومن الأزمات الاقتصادية والسياسية العميقة وأخرجه الى طريق التنمية المستدامة. ومن النتيجة المنطقية لجميع هذه الفعاليات المهيبة والرؤية الحكيمة والاستراتيجية المستهدفة الى المستقبل الباهر أن أذربيجان القوي والنافذ والمقتدر صاحب القول في العالم قد برهن بتحقيق الانتصار المجيد في حرب الـ44 يوما الوطنية انه قادر على حماية سيادته واستقلاله.
وإذ تقدم وكالة أذرتاج لحظات رئيسية من حياته الباهرة والغنية والمجدة وفعالياته منقطعة النظير في مجالي السياسة وبناء الدولة المتضمنة في عمره المهدى للشعب بالتسلسل الزمني.
حياة حيدر علييف في موسكو.
انتخب حيدر علييف الذي رأس أذربيجان بنجاح فترة 1969-1982م والذي ذاع صيته في فضاء اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية بقدراته التنظيمية العالية وآرائه وأفكاره الجريئة عضوا للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي في 22 نوفمبر عام 1982م وفي 24 نوفمبر نفس العام نائبا أول لرئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفياتي لتبدأ بذلك حياة الزعيم العبقري في موسكو وكان الزعيم العام يسمى تلك السنوات "سنوات الكرملين الخمس" فيما بعد.
لحظات من العمر المهدى للشعب: عام 1988-1989م
على الرغم من أن حيدر علييف استقال في 21 أكتوبر عام 1987م عن المناصب التي كان يتولاها احتجاجا على النهج السياسي الذي كان ينتهجه المكتب السياسي للجنة للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي والأمين العام ميخائيل قورباتشوف شخصيا فاضطر الى الإقامة مدة في موسكو وكان يبذل ما كان بوسعه من اجل الوطن والشعب خلال تلك الفترة التي كان يعاني فيها من الضغوط والاضطهاد.
وكانت الحملة التشويهية تتواصل ضد ابن الشعب الأذربيجاني الكبير حيدر علييف من جانب الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي ميخائيل قورباتشوف بجانب تدبير موانع لمنعه من العودة الى الوطن. وكان حيدر علييف المتقاعد يعيش في موسكو تحت المراقبة الشاملة حيث كانت هيئة امن الدولة تلاحقه باعتباره شخصا معاديا للنظام السوفياتي. وكانت هناك محاولات مستمرة تستهدف إقصاء حيدر علييف عن المسرح السياسي تماما عن طريق تشويه سمعته. وكان الهدف الرئيسي من ذلك تنفيذ خطة ماكرة ضد أذربيجان للحكومة المركزية.
ورغم من استقالة الزعيم العام عن جميع المناصب التي كان يشغلها فإنه كان واقفا الى جانب شعبه في مثل تلك اللحظات المصيرية. وبهذا السبب كان قورباتشوف حريصا على تشويهه بكل وسيلة سعيا منه الى ترويج سياسة أرمينيا العدوانية عن طريق إثارة نفاق وفوضى داخل أذربيجان.
وكانت حملة التشويه إزاء حيدر علييف في أذربيجان عن طريق المفصولين عن المناصب فترة 1970-1980م حيث كانوا يظهرون برعاية الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي في أذربيجان آنذاك عبد الرحمن وزيروف على وسائل الإعلام الجماهيرية بما فيه قنوات تلفزيونية مقدمين أنفسهم كأبطال لاجئين بكل وسيلة الى القذف والافتراء والبهتان. وفي الوقت ذاته، كان الإعلام المركزي هو الآخر مستغلا في هذه الحملة القذرة وعلى سبيل المثال قام أركادي واكسبيرغ مؤلف المقال المنشور على جريدة "ليتيراتورنايا غازيتا" في عددها الصادر في 21 سبتمبر عام 1988م والمعنون بـ"التصفيقات المستمرة" يقدم حادثا واقعا عام 1978م لدى المجلس الأعلى الأذربيجاني كحادث شائع في تلك الفترة في البلد وهو يبالغ في التقديم الى درجة الإفراط حيث أن مؤلف المقال كان يستهدف الى تكوين فكرة سلبية حول قيادة البلد آنذاك عبر عرض احتجاج وجهه معظم نواب المجلس الى كلمة ألقاها النائب قامباي محمدوف في دورة المجلس الأعلى وهو يحاول القاء ظلال على الإنجازات المحرزة في الجمهورية عرضا مهيبا. والحال أن النواب كانوا واقفين موقفا موضوعيا من خطاب النائب محمدوف وكانت احتجاجاتهم مستندة الى مواد القنوات التلفزيونية والراديو ووسائل الإعلام الجماهيرية وكذلك الى الوقائع والحقائق التي كانت معروفة ومعلومة لدى كل واحد في الجمهورية.
وكانت عصابة قورباتشوف والأرمن تنفذ الحملة القذرة عبر قضية قراباغ التي كان الأرمن يصرحون بها علانية في الوقت ذاته. وعندما طرحت هذه القضية على بساط البحث في موسكو طلب حيدر علييف بعقد لقاء مع قورباتشوف وفي حال عدم إمكانية ذلك مع ليقاتشوف وتشيبريكوف وكريوتشكوف وكان يهدف الى إبراز كل وثيقة تبرهن وتثبت أن قراباغ هي ارض أذربيجان ولكنهم كانوا يفلتون من لقاء قائلين إننا نعالج بأنفسنا القضية المتعلقة بالنزاع الأرميني الأذربيجاني في قراباغ.
غير أن الحكومة المركزية لم تعالج القضية بل بالعكس مهدت ظروفا ملائمة أمام توسع الأرمن الى أن الأوضاع أدت الى زيادة الأوضاع المتدهورة في أذربيجان فبراير عام 1988م خاصة الوضع السياسي حيث أن الحوادث أسفرت عن إراقة الدماء.
وفي مارس عام 1988م تبنى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي ومجلس الوزراء للاتحاد السوفياتي قرارا بشأن تنمية قراباغ الجبلية الاجتماعية الاقتصادية وكان ذلك القرار يمنح صلاحيات لقيادة أرمينيا بالتدخل في شؤون قراباغ الجبلية داخل أذربيجان. وكان حيدر علييف يصف هذا القرار بحربة مطعونة في ظهر جمهورية أذربيجان وشعبها.
طرحت قضية قراباغ الجبلية على بساط البحث في دورة هيئة إدارة المجلس الأعلى للاتحاد السوفياتي شهر يوليو عام 1988م وكان النواب من أذربيجان يحضرون الدورة ونواب من أرمينيا حضورا غير قانونيا وكان حيدر علييف يتساءل عن مشاركة النواب الأرمن في تلك الدورة واصفا ذلك بخطوة غير قانونية ويقول كيف كان للنواب الأرمن حضور تلك الدورة وعلى أساس أي قانون؟
ورسمت هيئة إدارة المجلس الأعلى للاتحاد السوفياتي في 12 يناير عام 1989م في تطبيق الصيغة الإدارية الخاصة على إقليم قراباغ الجبلية ذي الحكم الذاتي الأذربيجاني وعيّن أركادي فولسكي الموالي للأرمن للجنة الإدارة الخاصة وأوقفت بذلك صلاحيات المؤسسات الحكومية الأذربيجانية كلها في قراباغ الجبلية. وكان فولسكي يحاول في مقابلة صحفية أجريت معه ومنشورة على جريدة "سوسياليستيتشيسكايا اندوستريا" (الصناعة الاشتراكية) عددها الصادر في 30 أبريل عام 1989م حمل الأسباب التي سببت بالنزاع على عاتق حيدر علييف بدون أي أساس او حجة.
ونشرت على مجلة "تياترالنايا جيزن" (الحياة المسرحية) مقابلة صحفية أجريت مع حيدر علييف في عددها الصادر في 29 نوفمبر عام 1989م من قبل الصحفي اندريه كاراؤلوف وأجوبة حيدر علييف على أسئلة الصحفي تكون فكرة واضحة حول أحداث تلك الفترة خاصة حول الأوضاع السياسية التي كانت تسيطر على أذربيجان وتصرفات الأمين العام عبد الرحمن وزيروف.
الاقتباس:
"لم تكن الأوضاع معقدة مثلما هي عليه الآن... ولا أستثني من أن مثل هذه التصريحات لا علاقة لها مع استياء وزيروف الشخصي لأن عددا كبيرا من أقاربه وأصدقائه كانوا مفصولين عن المناصب الإدارية بسبب تصرفاتهم المختلفة فترة عملي لدى اللجنة المركزية في أذربيجان وعوقبوا عليها وفضلا عن ذلك كانت طلبات وزيروف الشخصية بتولي مناصب عالية في قيادة الجمهورية عالقة أيضا.
ويجب أن أشير كذلك الى أن وزيروف كانت له آراء أخرى من قبلُ وعندما انتخبتُ عضوا للمكتب السياسي كتب لي رسالة من نيبال التي كان موظفا فيها سفيرا أن "كل شيء يتعلق بكم هنا في نيبال وفقا للصحافة المنشورة هنا وفي الهند وسائر بلدان العالم يسلط الضوء عليها تسليطا واسعا وعدد كبير من المسؤولين الكبار في نيبال يهنئونني كوني من أذربيجان بمناسبة انضمامكم الى القيادة العالية للاتحاد السوفياتي وأنا مسرور جدا واعتز بكم وأنا متأكد من أن المزايا الباهرة الخاصة بكم والقدرات والمهارات العالية ستبرز نفسها اكثر في المستقبل." وعندي كثير من مثل هذه الرسائل. ويسعني أن اذكر ردا على سؤالك أن حياة أذربيجان لم تشهد أي وضع معقد او متدهور فترة عملي في الجمهورية.
وقد غادرت أذربيجان عام 1982م والحين عام 1989م ولو كان في الجمهورية عمل غير مكتمل لكان من الممكن طبعا استكماله خلال هذه السنوات.
ورد حيدر علييف على سؤال الصحفي الذي مفاده "كيف ترى نفسك هل كانت ثمة نقائص في عملك؟ " ردا يوصف بنموذج آخر يثبت اتخاذه موقفا موضوعيا من القضايا أية كانت.
الاقتباس:
"كان بعض يرى أنني كنت مطالبا مصرا وأبالغ في ذلك وأنا منتقد كل شيء وكنت أفرط أحيانا في المطالب والإصرار وما يمكنني أن أقوله...
ومع ذلك كنت معتبرا الى الدوام أن كل قرار متخذ له أساس حقيقي وكنت دائما مضادا لليبرالية، نعم، معاديا لليبرالية. وأنا، على سبيل المثال، كنت اقف موقفا سيئا من كل من كان يتعامل تعاملا حرا مع الناس والأخطاء في عمل توظيف الكوادر كانت اكثر القضايا وجعا وألما بالنسبة لي مثل حالات سوء استخدام المناصب او عدم كفاءة من عيّنوا لمناصب إدارية وعالية من جانبنا في السبعينات ونحن وأكرر مرة أخرى لم نقم ابدأ بالدفاع عن "شرف البدلة" وأسرة الكوادر الناشطين حاليا عبارة في الغالب عن أشخاص كنا دربناهم سنوات الـ1970م حيث كنا نبتعث خصيصا الشباب الى المدارس العالية في موسكو وسائر مراكز الاتحاد السوفياتي وكنت شخصيا مشغولا بهذه القضايا نظرا لمستقبل الجمهورية.
كما يستلف جواب حيدر علييف المقابلة الصحفية عن سؤال الصحفي مفاده "ما إذا كان هناك منشقون بين المثقفين المبدعين في أذربيجان؟"
الاقتباس:
ما كان لدينا منشق ولكن الأمر مرتبط ربما بأننا ما كنا نبحث عنهم على الإطلاق.
وهذه الفكرة التي قالها الزعيم العام في تلك المقابلة الصحفية ملحة لكل الأزمان: يجب انتقاد شخص وهو يتولى منصبا كي يستطيع إصلاح نقائصه ويحسن عمله وبعد أن تعاقد عن العمل لا يطلب انتقاده جزأة خاصة ولا أظن أن ذلك قادر على العودة بنفع.
ورد على سؤال الصحفي عن "اذا كنت زعيما في أذربيجان كيف ترى هل كان من الممكن وقوع مثل الأوضاع الراهنة؟" ردا مخلصا.
الاقتباس:
أنا الحين متقاعد وأتابع بمشاعر الأسف الشديد ماذا يحدث في أذربيجان الآن وكيف يزداد حياة شعبي تعقدا وصعوبة وكل هذه يؤلمني كثيرا وأنا متأثر جدا واذا أردت أن تعلم فهذه مأساة بالنسبة لي...
هذه الأفكار قد أوردها الزعيم العام حيدر علييف عام 1989م. وقد حدثت تطورات الأكثر تعقدا وألما فيما بعد ومنها مذبحة يناير عام 1990م وصعوبات السنوات الأولى من الاستقلال والفوضى السائدة على الجمهورية واحتلال قراباغ من قبل أرمينيا ومحاولات عدد من القوى الأجنبية إزالة أذربيجان كدولة... وكان الشعب الذي واجه المخاطر والتهديدات الكبيرة يرى نجاته في حيدر علييف داعيا إياه للمساعدة وكل هذه لم يأت بعد...