فرنسا لا تتخلى عن سياستها المنافقة: باريس الرسمية تستخدم وسيلة جديدة لإسكات البلدان التي كانت مستعمرات لها
باريس، 5 مايو، أذرتاج
أصبح دفع التعويضات للمستعمرات السابقة لفرنسا مسألة راهنة وتطالب الدول التي كانت مستعمرة من قبل هذا البلد بتعويضات عن ما حدث من أعمال العنف والتعذيب والمجازر. ويطالب مواطنو المستعمرات السابقة ولا سيما في بلدان منطقة أفريقيا وحوض الكاريبي بالتعويض واستعادة تراثهم الثقافي.
وقد ازدادت علاقات باريس الرسمية مع مستعمراتها السابقة في القارة الأفريقية توترًا في السنوات الأخيرة وتزعزع نفوذ فرنسا بشكل كبير في هذه الدول ففي البلدان مثل تشاد ومالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعدت الاحتجاجات المناهضة لفرنسا وقامت هذه الدول بطرد القوات العسكرية الفرنسية من أراضيها والبلدان المشار إليها تبحث الآن عن شريك جديد.
وفي ظل كل هذه التطورات تبادر الحكومة الفرنسية إلى إنشاء "لجان تاريخية مشتركة" بهدف التهرب من مسؤوليتها التاريخية في المستعمرات السابقة وتهدئة الغضب الشعبي وتستهدف هذه اللجان ظاهريًا دراسة وتقييم الأحداث التي وقعت بين فرنسا والبلدان المستعمرة سابقًا بشكل مشترك ولكن هذه المبادرات تُعتبر من قبل الرأي العام محاولة للتستر على الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي.
ويشير العديد من الباحثين والشخصيات العامة إلى أن اللجان تحمل طابعًا شكليًا وأنها في الواقع تم إنشاؤها للتهرب من المسؤولية وأن أرشيفات فرنسا لا تزال غير مفتوحة بالكامل حيث إنهم يؤكدون على انه إذا كانت فرنسا ترغب حقًا في التحقيق بشكل صحيح في الماضي فيجب أولاً الاعتراف بالمجازر التي ارتكبت والاعتذار رسميًا ودفع تعويضات للدول المتضررة.
كما انهم يعتبرون أن إنشاء فرنسا لجانا مشتركة مع مستعمراتها السابقة يبدو أكثر كخطوة رمزية وسياسية من البحث الفعلي عن السلام والعدالة حيث إن آلام إرث الاستعمار لا يمكن إزالتها من خلال تدابير تجميلية فقط بل يجب أن تتم من خلال العمل الجاد والصادق وإلا فإن هذه المبادرات ستظل مجرد محاكاة دبلوماسية لفرنسا.
وفي ظل استمرار التوترات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا أصبح موضوع إعادة الممتلكات الثقافية التي سُلبت أثناء الاستعمار من جديد في صدارة النقاش. وانتقد المؤرخ بنيامين ستورا غياب رد فعل محدد من قبل السلطات الفرنسية بشأن هذا الموضوع موضحا أن المؤرخين الجزائريين في اللجنة الجزائرية الفرنسية المشتركة قد قدموا مطالب خاصة من أجل استرداد هذه الممتلكات ومن بين التراث الثقافي المسروق الذي تم طلبه كان "القرآن الكريم" الخاص بالأمير عبد القادر وسيفه وملابسه وتكتسب هذه القطع أهمية خاصة إلا أن فرنسا لم تقم بعد بإعادتها وانتقد ستورا تقاعس فرنسا قائلا إن "الامتناع عن إعادة الممتلكات المسروقة يعكس رغبة في عدم الانضمام إلى العملية الحقيقية للاعتراف بالظلم الذي ارتكبته الاستعمار".
ومن الجدير بالذكر أن العلاقات بين فرنسا والجزائر كانت دائمًا متوترة وقبل فترة ولايته اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالاستعمار في الجزائر كجريمة ضد الإنسانية ومع ذلك فإن خطواته اللاحقة لم تُقلل من التوتر بين البلدين فلذلك جرى إنشاء لجنة من المؤرخين لتطبيع العلاقات بين البلدين وقد كشفت هذه اللجنة عن عدد من الأفعال المتعلقة بالاستعمار الفرنسي ولكن هذه النتائج لم ترضِ الجزائر لأن الممتلكات الثقافية التي سُلبت خلال فترة الاستعمار قائمة على محور النقاش. وأنشأ ماكرون لجنة أخرى تتعلق بهذا الإرث وتدل النتائج على أن الجزائر قد تم نهبها وسلبها من قبل فرنسا ومع ذلك لا يعبأ بطلبات الشعب الجزائري في استعادة إرثه.
وجدير بالذكر أنه كانت هناك لجنة تم إنشاؤها في رواندا بهدف تقييم دور فرنسا في إبادة التوتسيين وقد أكدت هذه اللجنة أن فرنسا ارتكبت أفعالًا مثيرة للجدل بشأن هذه الإبادة وبسبب ذلك هناك توتر بين البلدين.
كما جرى إجراء تحقيقات في الكاميرون أيضًا بشأن أحداث القسوة والعنف التي مارسته فرنسا خلال فترة الاستعمار وتم تشكيل لجنة مختصة لهذا الغرض وللأسف على الرغم من اكتشاف العديد من الحقائق لم يتم دفع تعويضات.
وثمة لجنة مماثلة في مدغشقر للتحقيق في الفظائع التي ارتكبتها فرنسا أيضا ولكن هذه اللجنة تواجه أيضًا قدرًا كبيرًا من عدم الثقة.
وباختصار فإن اللجان التي أنشأها ماكرون لا تُرضي الشعوب المتضررة ولا يزال الاعتراف والتعويض مسألة تؤرق الدول التي كانت مستعمرات سابقة.
ويصف بعض الخبراء إنشاء باريس الرسمي تلك اللجان والخطوات الأخرى المتخذة في هذا السياق بمحاولة لكبح جماح المشاعر المعادية لفرنسا المتزايدة في الدول التي كانت مستعمرات سابقة كما تُعتبر هذه التحركات جزءً من استراتيجية "القوة الناعمة" التي تنتهجها باريس لمواجهة تنامي نفوذ خصومها الجيوسياسيين في المنطقة ويُشار أيضًا إلى أن استعادة حقوق الشعوب التي تعرضت للقمع والوحشية خلال الحقبة الاستعمارية لا تندرج ضمن أولويات فرنسا.