الظفرة تحكي قصتها: طاقة المستقبل على قلب الصحراء
أبو ظبي، 12 يناير، أذرتاج
كان من عادات العرب القدماء إيقاد نار في الصحراء، كانت تسمى "نار القرى"، كأن شدة ضوئها كانت تناشد المسافرين ليلا "تعالوا الى هنا، والحياة والحفاوة هنا وسيستقبلونكم هنا". وكانت هذه النار مصدرا ليس فقط للتدفئة فحسب، بل للأمل أيضا في الصحراء القاحلة. واليوم نرى النور ينتشر من صحراء الظفرة بالإمارات العربية المتحدة، لكن في هذه المرة هذا النور يأتي من الشمس. والملايين من الألواح الشمسية تقوم بما فعلته نار القرى، لكنها ليست لمسافر، بل لمئات آلاف السكان. وتسطع هنا على رمال الصحراء ليست فقط أشعة الشمس، فحسب، بل طاقة المستقبل أيضا.
أفادت وكالة الأنباء الأذربيجانية (أذرتاج) أن أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم - محطة الظفرة، الواقعة في إمارة أبوظبي على مساحة تزيد عن 20 كيلومترًا مربعًا - قد تم افتتاحها عام 2023. وهذا مثال حي على انسجام الذكاء البشري والتقدم التكنولوجي مع الطبيعة. تُشكّل أكثر من ثلاثة ملايين لوحة شمسية مُثبّتة هنا "بحرًا" هائلًا من المرايا في قلب الصحراء. ومع شروق الشمس على هذه اللوحات كل صباح، تُحوّل أشعتها الدافئة إلى طاقة كهربائية، تُزوّد حاليًا أكثر من 200 ألف منزل بالكهرباء.
وفي حوار مع مراسل وكالة أذرتاج، تحدّث المهندس مروان مصطفى عن الابتكارات التكنولوجية المُطبّقة في محطة الظفرة. وأوضح أن هذه المحطة الكهروضوئية تضم أكثر من 3 ملايين لوح شمسي ثنائي الوجه، وهي تقنية مبتكرة تتيح إنتاج طاقة كهربائية بكفاءة أكبر عبر التقاط الإشعاع الشمسي بواسطة وجهي الألواح الشمسية الأمامي والخلفي. وذكر أنه تم تشييد المشروع عام 2023 في موقع يمتد على مساحة أكثر من 20 كيلومتراً مربعاً. وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمحطة الظفرة للطاقة الشمسية 2 جيجاوات.
وأضاف مروان مصطفى أن الشركة درست الآثار السلبية المُحتملة للظواهر الطبيعية التي قد تحدث في ظروف الصحراء القاسية، بما في ذلك قوة العواصف الرملية والرياح العاتية. فاللوحات مُثبّتة بإحكام في الأرض. ويتم تنظيف اللوحات من الغبار كل ليل بشكل أوتوماتيكي.

تحدث عبد العزيز العبيدي، مدير التشغيل في شركة "مصدر"، المساهمة الرئيسية في مشروع الظفرة، عن أنشطة الشركة وإنجازاتها. ويشير إلى أنه عند تأسيس الشركة عام 2006، كان مجال الطاقة المتجددة والبديلة مجالًا جديدًا، حيث لم يكن هناك ثقة كبيرة في نجاحه آنذاك. ويضيف أن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة عن الشركة يظهر مدى رغبتها في تنويع مصادر الطاقة لديها. وتعمل الشركة حاليًا في أكثر من 40 دولة في 6 قارات.
وكان أول مشروع رئيسي لنا هو مدينة مصدر عام 2008، كنموذج للتنمية الحضرية منخفضة الكربون. وتحقق الشركة حاليًا مشاريع أكبر منه في مجال الطاقة النظيفة. كما نفذت "مصدر" أول مشروع لمحطة طاقة متجددة عائمة في إندونيسيا. للشركة مشاريع حاليًا في مصر وماليزيا وأفريقيا. وتُعد منطقة آسيا الوسطى ذات أهمية بالغة بالنسبة للشركة، كذلك تنفذ الشركة مشاريع مهمة في أذربيجان. تخطط "مصدر" بالتعاون مع المستثمرين زيادة الطاقة الإنتاجية لتصل الى 100 جيجاوات بحلول عام 2030. وفي الوقت نفسه، لدى الشركة مشاريع في مجال طاقة الرياح.

لا يقتصر هذا المشروع على إنتاج الطاقة فحسب، بل يُعدّ أحد الركائز الأساسية لرؤية دولة الإمارات العربية المتحدة لمستقبل خالٍ من النفط. وتُساهم الطاقة النظيفة المُنتجة هنا في خفض انبعاثات الكربون، ومكافحة تغير المناخ، والحفاظ على التوازن البيئي، مما يُعزز الآمال بمستقبل أفضل لكوكبنا. وتسهم في تفادي إطلاق 2.4 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً. تُثبت هذه المحطة، المُقامة في قلب الصحراء، أن الظروف البيئية الصعبة يُمكن تحويلها إلى فرص من خلال التخطيط السليم والابتكار.
كما تتمتع محطة الظفرة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بأهمية اقتصادية واجتماعية بالغة، حيث وفّر المشروع فرص عمل جديدة، وجمع خبراء محليين ودوليين، وهيّأ بيئة لتبادل المعرفة والخبرات في مجال الطاقة المتجددة. تبعث هذه المحطة رسالة صامتة لكنها قوية للأجيال القادمة وهي تقول: يمكن إنتاج الطاقة دون الإضرار بالطبيعة. إن هذا "البحر" من الألواح الشمسية في قلب الصحراء، هو في الواقع تجسيد لفكرة مفادها ان المستقبل أكثر إشراقًا يأتي عندما يقف الإنسان والطبيعة جنبًا إلى جنب، لا في مواجهة بينهما. تُعدّ الظفرة إحدى الصفحات الأولى لهذا المستقبل المشرق في الصحراء.