معرض غيزر: حينما يتدفق الفن من رحم الأدب والتاريخ
باكو، 18 يناير، أذرتاج
احتضن متحف الفن المعاصر في باكو افتتاح معرض "غيزر" للفن المعاصر وهو ثمرة تعاون استراتيجي بين مؤسسة حيدر علييف وشركة بي بي ومركز مقصود إبراهيم بكوف للإبداع.
وشهدت مراسم الافتتاح حضوراً متميزاً تقدمه مدير مركز حيدر علييف أنار علي أكبروف، حيث يأتي هذا المعرض كجزء حيوي من مهرجان أوسع يمتد من أواخر عام ألفين وخمسة وعشرين حتى مطلع عام ألفين وستة وعشرين، مكرساً للاحتفاء بالإرث الإبداعي للكاتب الكبير مقصود إبراهيم بكوف ومستعرضاً التحولات العميقة التي أحدثتها طفرة النفط في نسيج أذربيجان الاجتماعي والثقافي.
وتتمحور فلسفة المعرض حول مفهوم "الغيزر" أو النافورة النفطية التي لا تمثل فقط اندفاعاً للمادة من باطن الأرض، بل وترمز إلى تحرر الطاقة الإبداعية المتراكمة والتوترات الداخلية التي شكلت هوية باكو الحديثة أيضا وفي هذا السياق، أوضحت مديرة مركز الإبداع آنا إبراهيم بكوفا أن الأعمال المشاركة ليست مجرد لوحات أو منحوتات، بل وهي قراءات شخصية وتفسيرات فنية عميقة لنصوص مقصود إبراهيم بكوف أيضا، حيث نجح تسعة من الفنانين الشباب الموهوبين في تحويل الكلمات المكتوبة إلى لغة بصرية غامرة تلامس الذاكرة الجماعية للأمة.
وتتنوع الرؤى الفنية داخل المعرض لتعالج قضايا معقدة، فبينما تأخذنا فيدان صادق في رحلة لاستكشاف الوجود غير المرئي للمرأة خلال فترات التحول الصناعي عبر تجسيد الجسد كحد فاصل بين الضغط الاجتماعي والهوية الفردية، تذهب إيرينا إيلداروفا نحو أبعاد كونية عبر تصوير الإنسان ككائن جبار "تيتان" يروض طاقة الأرض ومن جانبه، يستحضر كنعان علييف مشاعر الانتظار والترقب من خلال عمل نحتي يعتمد على أصوات الأنابيب محاكياً تلك اللحظات التاريخية التي كان فيها صوت اندفاع النفط بشيراً بتغييرات جذرية قادمة وهو شعور يربطه الفنان بتجربته الشخصية مع انتظار وصول المياه في سنوات التسعينيات الصعبة.
ولا يتوقف المعرض عند حدود التاريخ، بل ويمتد ليشمل هواجس المستقبل أيضا، كما في عمل مشفق حيدروف الذي يطرح مفهوم "ما بعد الإنسان"، محذراً من ذوبان الهوية الفردية في قوالب التكنولوجيا والأنظمة الرقمية التي تتغذى في الأصل على طاقة النفط. وبالمثل، تقدم نزرين محمدوفا في لوحتها التجريدية لحظة الانفجار العاطفي الذي يرافق تحرر الطاقة الكامنة، في حين يراقب غراب نكار فاملصوي التحولات التاريخية من قلب "أثر جانبي" يعكس صدام الرخاء بالواقع المرير.
ويختتم المعرض رحلته البصرية بأعمال أورخان قراييف وسرخان حاجييف ووصالة آغا راضييفا الذين استعرضوا التناقض بين بريق الطفرة النفطية وتعب الأيدي العاملة المغموسة في المادة اللزجة فبينما يتلاعب قراييف بزوايا النظر ليكشف الفوارق بين المظاهر والواقع يدمج حاجييف بين الذاكرة المادية والواقع الرقمي عبر الفيديو آرت، بينما تخلد آغا راضييفا جهد العمال بلمسة مونومينتالية تجعل من الإنسان والنفط عنصراً واحداً في حقل الوجود. هذا ويستمر هذا الحوار الفني المفتوح حتى الثاني من فبراير، داعياً الجمهور لاكتشاف كيف يمكن للنفط أن يكون مرآة تعكس روح الإنسان وتاريخ الوطن.