الشراكة الإستراتيجية بين أذربيجان وتركمانستان
باكو، 20 يونيو، أذرتاج
تبلور مراكز قوى إقليمية جديدة والشراكة الإستراتيجية على ضفتي بحر الخزر
في نظام العلاقات الدولية المعاصر يكتسب التفاعل متعدد الأبعاد الذي تبنيه أذربيجان مع منطقة آسيا الوسطى ولا سيما مع تركمانستان باعتبارها شريكاً جيواستراتيجياً أهمية استثنائية في ظل تبلور مراكز قوى إقليمية جديدة. وإن هذين البلدين المشاطئين لبحر الخزر واللذين تجمع بينهما جذور إثنية وثقافية عميقة ووحدة اللغة والدين والمصير التاريخي، قد نقلا علاقاتهما الثنائية إلى مستوى نوعي جديد وأكثر تقدماً بموجب "الإعلان بشأن الشراكة الإستراتيجية بين جمهورية أذربيجان وتركمانستان" الموقع في عام 2017. واليوم، تُظهر أواصر الأخوة القائمة بين باكو وعشق آباد نموذجاً تنموياً يحتذى به، سواء من حيث الإرادة السياسية للقائدين القويين أو من حيث الكفاءة الاقتصادية لمشاريع النقل والطاقة العابرة لبحر الخزر.
وكما أكد الرئيس إلهام علييف، فإن التاريخ والثقافة والجذور الإثنية واللغة والدين المشترك هي العوامل التي تجمع بين الشعبين، مما جعل الشعبين الأذربيجاني والتركمانستاني يعيشان كأخوة حقيقيين على مر القرون. وفي السياق ذاته، أشار رئيس مجلس المصلحة الشعبية التركمانستاني قربان قولي بردي محمدوف إلى العمق التاريخي للعلاقات وتشابه التقاليد، مؤكداً أن الروابط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والإنسانية تنمو وتزدهر على هذا الأساس القوي. وتعد الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى التي تسارعت وتيرتها في السنوات الأخيرة المؤشر الأكثر ملموسية على الأهمية التي توليها باكو وعشق آباد لهذه الشراكة، حيث تشكل زيارتا الرئيس إلهام علييف الرسميتان وزيارات العمل الخمس التي قام بها تركمانستان، إلى جانب مشاركته في القمة الثلاثية أذربيجان وتركمانستان وأوزبكستان التي عقدت في مدينة تركمانباشي في 22 أغسطس 2025، الركائز الأساسية لهذا الزخم العالي. كما أن الزيارات السابقة التي قام بها رئيس تركمانستان سردار بردي محمدوف باكو عام 2023 ومشاركة رئيس مجلس المصلحة الشعبية في قمة غابالا عام 2025، أكدت القوة المؤسسية لهذه العلاقات.
وكرمز لبيئة الثقة العالية هذه، تبرز الإيماءات الدبلوماسية المتبادلة بين القادة؛ إذ إن إهداء الجانب التركمانستاني رئيسَ الدولة إلهام علييف حصانَ "أخال تيكي" الشهير المسمى "طاوس" وقيام الرئيس علييف في المقابل بإهداء قربان قولي بردي محمدوف حصانَ "قراباغ" يمثلان رمزين ساطعين في تاريخ الدبلوماسية المعاصرة يجسدان إحياء التقاليد التاريخية العميقة في العالم التركي والصداقة الأبدية بين البلدين. وإن القاعدة القانونية والمعيارية التي تعززت بتوقيع 108 وثيقة ثنائية في مختلف المجالات حتى الآن، ستنتقل إلى أبعاد جديدة خلال زيارة الدولة الرسمية الأولى المرتقبة لرئيس تركمانستان سردار بردي محمدوف إلى أذربيجان في 22-23 يونيو 2026. وسيشكل البيان المشترك والوثائق الأخرى التي سيتم توقيعها خلال هذه الزيارة التاريخية برنامج عمل جديد يحدد الأولويات الإستراتيجية المستقبلية للبلدين. وعلاوة على ذلك، فإن الالتزام الراسخ والاتساق من كلا البلدين في احترام مبادئ الحياد في نظام العلاقات الدولية يعد من العوامل الأساسية التي تعزز استقرار العلاقات الثنائية وأجواء الثقة المتبادلة.


ديناميكيات النمو في قطاعات النقل واللوجستيات والعلاقات التجارية
تتميز أذربيجان وتركمانستان، باعتبارهما مركزين حيويين للنقل واللوجستيات في منطقة بحر الخزر كشريكين إستراتيجيين في تنويع خطوط العبور (الترانزيت) في الفضاء الأوراسي. ويظهر التطور الديناميكي للعلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل واضح سواء في حجم التجارة الثنائية أو في زيادة كفاءة ممرات النقل الإقليمية. وتكشف المؤشرات الرسمية التي تعكس الواقع الحالي للأنشطة المشتركة في قطاع النقل والترانزيت عن الآفاق الواعدة لهذه الشراكة.
فوفقاً لنتائج عام 2025، سجل حجم البضائع العابرة (ترانزيت) المارة عبر البلدين زيادة بنسبة 15 في المائة ليصل إلى 2344 طن وكمثال ملموس وحديث على تكثيف عمليات الشحن الإقليمية، دخلت سفينة الشحن الجاف الأولى لتركمانستان "قدملي" ميناء باكو وسط مراسم احتفالية في 12 مايو 2026. وإن انضمام هذه السفينة إلى شبكة شحن الحاويات المنتظمة على الخط بين باكو وتركمانباشي يساهم بشكل جدي في تحفيز القدرات اللوجستية للمنطقة. وبالموازاة مع هذا النشاط في قطاع النقل، تحافظ العلاقات التجارية على زخمها، حيث بلغ الحجم الإجمالي للتبادل التجاري بين الطرفين 208.39 مليون دولار عام 2025، في حين سجل هذا الرقم 29.54 مليون دولار خلال الفترة الأولية الممتدة من يناير إلى أبريل من عام 2026. وفي الإطار العام، تشكل باكو وعشق آباد حلقتين رئيسيتين تضمنان أمن ووظيفة ممر النقل العالمي بين الشرق والغرب.

حقل "دوستلوك" ودمج إمكانات الطاقة في المنطقة الخزرية في الأسواق العالمية
يمثل الإشراف الفعال على موارد الهيدروكاربونات وتطويرها المشترك وإيصالها إلى الأسواق العالمية، أحد الاتجاهات الإستراتيجية الأكثر أهمية في العلاقات بين باكو وعشق آباد. وقد شكّل توقيع مذكرة التفاهم في 2021 بشأن التطوير والتشغيل المشترك لموارد الهيدروكاربونات في حقل "دوستلوك" (الصداقة) في بحر الخزر نقطة تحول تاريخية وفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي في هذا المجال.
وتؤدي أذربيجان دور شريك ترانزيت حيوي وموثوق في نقل موارد الطاقة الغنية لتركمانستان إلى الغرب. وتكتسب مشاريع البنية التحتية العملاقة، مثل خط أنابيب النفط بين باكو وتبيليسي وجيهان بتج أهمية كبرى في دمج الموارد التركمانستانية في الأسواق العالمية. ولا يقتصر هذا التعاون الإستراتيجي على تعزيز أمن الطاقة للأطراف والشركاء فحسب، بل ويخدم مباشرة تطوير الروابط الاقتصادية ومنظومة الشراكة الإقليمية في منطقة بحر الخزر أيضا. وثمة نموذج قيم آخر لهذا التعاون في الشق الصناعي يترصّد في بناء ناقلة نفط بسعة 8 آلاف طن لصالح تركمانستان في مصنع باكو لبناء السفن، حيث اكتملت أعمال البناء الخاصة بهذه الناقلة التي بدأت عام 2023 وحملت اسم "دوستلوك" كرمز للشراكة ومن المقرر إدخالها الخدمة والتشغيل الفعلي في القريب العاجل.
إعادة إعمار قراباغ والشراكات الاجتماعية وعمليات التكامل الثقافي
لا يقتصر التعاون الأذربيجاني التركمانستاني على المؤشرات الاقتصادية والتجارية فحسب، بل ويستند إلى أسس معنوية واجتماعية وثقافية عميقة أيضاً. ويعد بناء مجمع مسجد حديث في مدينة فضولي المحررة من قبل دولة تركمانستان أسمى تعبير معنوي عن علاقات الأخوة الراسخة هذه. ويذكر في هذا الصدد أنه في 7 أكتوبر 2025 وخلال انعقاد اجتماع القمة الثاني عشر لمجلس رؤساء بلاد منظمة الدول التركية في غابالا قام الرئيس إلهام علييف ورئيس مجلس المصلحة الشعبية التركمانستاني قربان قولي بردي محمدوف وبمشاركة قادة الدول والحكومات الآخرين، بوضع حجر الأساس عبر الاتصال المرئي (أونلاين) للمسجد الذي سيتم بناؤه من قبل الجانب التركمانستاني في فضولي وتستمر أعمال البناء حالياً بوتيرة سريعة.

ومن الخطوات المهمة التي تعزز التكامل الثقافي هو تطوير العلاقات المباشرة بين المدن، حيث يسهم تأسيس علاقات التوأمة ("المدن الشقيقة") بين باكو وعشق آباد وكذلك بين مدينتي أرخاداغ وفضولي اللتين تعدان رمزين للتنمية الإقليمية الجديدة، في تقريب الشعبين وتوطيد روابط الصداقة. وتترافق هذه العملية مع تنظيم فعاليات ثقافية متبادلة، إذ إن أيام الثقافة التركمانية التي أقيمت في أذربيجان في أكتوبر 2025 وتلاها تنظيم أيام الثقافة الأذربيجانية في مدينتي عشق آباد وأرخاداغ في يونيو 2026، قدمت مساهمة ملموسة في التعريف بالموروث الثقافي الغني لكلا البلدين وتقوية الروابط الروحية بين الشعبين.
وعلى صعيد الشراكات الاجتماعية والإنسانية، شارك وفد برئاسة نائبة رئيس مؤسسة حيدر علييف ليلى علييفا في منتدى دولي عقد في أوازا في ديسمبر الماضي وشهدت الزيارة اجتماعا مع نائبة رئيس مؤسسة قربان قولي بردي محمدوف الخيرية لمساعدة الأطفال المحتاجين أوغول جاهان أتاباييفا وتم توقيع مذكرة تعاون بين المؤسستين لتعزيز البعد المؤسسي للعلاقات الإنسانية.
الدبلوماسية متعددة الأطراف والعلاقات البرلمانية والاستقرار الإقليمي
إن الدعم والتضامن المتبادل الذي تبديه أذربيجان وتركمانستان في إطار المنظمات الإقليمية والعالمية المرموقة، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي ومنظمة الدول التركية والمنظمة الدولية للثقافة التركية يوضح بجلاء التزامن التام والانسجام في توجهات السياسة الخارجية لكلا البلدين. وتحظى شبكة الدبلوماسية متعددة الأطراف هذه بالتعزيز والدعم من خلال الاتصالات الوثيقة والمنتظمة بين الهيئات التشريعية؛ حيث كان لقاء رؤساء البرلمانات الذي عقد في 15 مايو 2026 في مدينة بخارى الأوزبكستانية مؤشراً بارزاً على المستوى الرفيع الذي بلغه الحوار البناء وآليات الثقة السياسية على مستوى المجالس النيابية.
وفي الختام، فإن هذا المحور الإستراتيجي القوي الذي تشكله أذربيجان وتركمانستان على ضفتي بحر الخزر لا يقتصر على خدمة مصالح الدولتين فحسب، بل ويعيد بشكل شامل تشكيل خريطة الأمن والنقل واللوجستيات والطاقة في المنطقة العابرة لبحر الخزر بأسرها. وباعتبارها الحلقة الأكثر حيوية في كفاءة الممر العالمي بين الشرق والغرب، تحولت هذه الشراكة إلى أحد أهم الضمانات للاستقرار الإقليمي والاستدامة الاقتصادية والأمن اللوجستي.
وفي ظل هذا المنحنى البياني المتصاعد للعلاقات، تأتي زيارة الدولة التاريخية المرتقبة لرئيس تركمانستان سردار بردي محمدوف أذربيجان لترسيخ التفاهمات والاتفاقيات السابقة على الصعيدين القانوني والمؤسسي والمضي بهذه الشراكة الإستراتيجية نحو مستقبل راسخ وثابت.