جيوسياسية الحقيقة: منتدى شوشا العالمي للإعلام والنموذج الجديد للنظام المعلوماتي العالمي
باكو، 14 يوليو، أذرتاج
يشهد النظام الدولي المعاصر مرحلةً عميقة من التحولات البنيوية، إذ لم تعد عناصر القوة التقليدية، كالقوة العسكرية والإمكانات الاقتصادية والموقع الجيوسياسي، وحدها المحدد الرئيس لمكانة الدول ونفوذها. فقد أصبح التحكم في تدفق المعلومات وصياغة الرأي العام وإدارة الاتصال الاستراتيجي من أبرز الأدوات التي تحدد قدرة الدول على التأثير في البيئة الدولية.
وفي ظل هذه المتغيرات، اكتسبت المؤسسات الإعلامية أدوارًا جديدة تتجاوز وظيفتها التقليدية المتمثلة في نقل الأخبار لتغدو فاعلًا استراتيجيًا مؤثرًا في صناعة القرار السياسي وتوجيه العلاقات الدولية وتشكيل الوعي المجتمعي.
وانطلاقًا من هذا السياق، فإن انعقاد النسخة الرابعة من المنتدى العالمي للإعلام في مدينة شوشا لا يمكن النظر إليه بوصفه فعالية دولية اعتيادية، بل يمثل منصةً فكريةً مرموقة لمناقشة التحديات الراهنة التي تواجه السياسة الإعلامية العالمية. ويعكس الشعار الرئيسي للمنتدى "رسالة الإعلام في تعزيز السلام: استعادة الحقيقة وإعادة بناء الثقة" رؤيةً متكاملة للعلاقة الوثيقة بين الأمن المعلوماتي وأخلاقيات العمل الإعلامي وأزمة الثقة التي يشهدها النظام الدولي المعاصر.
وقد أسهمت التحولات الرقمية المتسارعة والتطور المتنامي لتقنيات الذكاء الاصطناعي واتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل آليات إنتاج المعلومات وتداولها على نحوٍ جذري. وفي المقابل، أصبحت حملات التضليل الإعلامي والاتصال التلاعبي والعمليات الرقمية الموجهة والتهديدات السيبرانية من أبرز القضايا المدرجة على أجندة الأمن الدولي، الأمر الذي جعل من حماية مصداقية الفضاء المعلوماتي قضيةً استراتيجية تتجاوز حدود الممارسة الإعلامية لتغدو عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن الوطني والاستقرار الدولي.
وفي هذا الإطار، اكتسبت الكلمة التي ألقاها فخامة الرئيس إلهام علييف خلال المنتدى أهميةً خاصة، إذ قدّمت قراءةً سياسيةً عميقة للتحديات التي تواجه البيئة الإقليمية والدولية. وأكد الرئيس علييف أن المخاطر التي تواجهها الدول في العصر الحديث لم تعد تقتصر على التهديدات العسكرية أو الضغوط السياسية التقليدية، بل وامتدت لتشمل حملات التضليل الإعلامي ومحاولات توجيه الرأي العام واستخدام الفضاء المعلوماتي أداةً لتحقيق أهداف جيوسياسية أيضا.
وتعكس هذه الرؤية حقيقة أن الأمن المعلوماتي أصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي وأن حماية الوعي المجتمعي من المعلومات المضللة والعمليات الإعلامية الموجَّهة تمثل إحدى الأولويات الاستراتيجية للدول في القرن الحادي والعشرين.
وتنبع الأهمية الدولية لمنتدى شوشا العالمي للإعلام من قدرته على جمع ممثلين عن مدارس إعلامية متعددة وخبراء وأكاديميين وصنّاع قرار من بلدان مختلفة ضمن منصة واحدة للحوار وتبادل الرؤى. وفي ظل تصاعد الاستقطاب الدولي وتراجع مستويات الثقة بين الجهات الفاعلة الدولية، تكتسب مثل هذه المنصات أهمية متزايدة في ترسيخ ثقافة الحوار وتعزيز التعاون متعدد الأطراف والبحث عن مقاربات مشتركة للتحديات العالمية.
كما يعكس تنظيم المنتدى في مدينة شوشا دلالات سياسية وحضارية عميقة. فالمدينة التي ارتبط اسمها في مرحلة سابقة بالصراع أصبحت اليوم فضاءً للحوار الدولي والتواصل الفكري، بما يؤكد أن بناء السلام المستدام لا يقتصر على إعادة إعمار البنية التحتية فقط، بل ويشمل إعادة بناء الثقة وتعزيز ثقافة الحوار وترسيخ قيم التعاون بين الشعوب والمجتمعات أيضا.
وفي إطار النظام الدولي المعاصر، تُعدّ دبلوماسية المعلومات أحد أبرز أدوات القوة الناعمة للدول، إذ تمكّنها من تعزيز حضورها الدولي وبناء الثقة والإسهام في صياغة الخطاب العالمي. ومن هذا المنطلق، لا يعكس منتدى شوشا العالمي للإعلام تنامي الدور الذي تؤديه أذربيجان في مجال الدبلوماسية الإعلامية فحسب، بل ويؤكد مساهمتها الفاعلة في تطوير النقاشات الدولية حول مستقبل الإعلام وأمن المعلومات وأخلاقيات الاتصال في العصر الرقمي أيضًا.
كما يبرهن المنتدى على أن أذربيجان لم تعد مجرد مشارك في الحوارات الدولية، بل وأصبحت طرفًا فاعلًا يسهم في إطلاق المبادرات وبناء منصات للحوار حول القضايا ذات الاهتمام المشترك أيضا، انطلاقًا من رؤية تقوم على التعاون والاحترام المتبادل وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.
وخلاصة القول، فإن منتدى شوشا العالمي للإعلام في نسخته الرابعة لا يمثل مجرد تجمع مهني للإعلاميين فحسب، بل ويشكل منصة فكرية دولية لمناقشة قضايا الأمن المعلوماتي والاتصال الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي وأخلاقيات الإعلام ومستقبل الثقة في البيئة الرقمية أيضا.
وفي عصر أصبحت فيه المعلومات أحد أهم عناصر القوة، فلم تعد حماية الحقيقة مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، بل وغدت مسؤولية مشتركة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق الأمن الدولي والتنمية المستدامة وترسيخ السلام أيضا.
ومن هذا المنظور، فإن الرسائل التي حملها منتدى شوشا تتجاوز حدود الإقليم لتقدم رؤيةً متكاملةً بشأن مستقبل النظام المعلوماتي العالمي وتؤكد أن الحقيقة والشفافية والمسؤولية الإعلامية والحوار البنّاء ستظل الركائز الأساسية لبناء نظام دولي أكثر استقرارًا وثقةً في العقود المقبلة.
بقلم الباحثة والخبيرة محبوبة مهدييفا