"المراقب العراقي": أذربيجان في عيد الاستقلال ... قصة نجاح دولة ديمقراطية
باكو، 31 مايو (أذرتاج)
أدرجت صحيفة "المراقب العراقي" العراقية في صفحتها مقال للدكتور معتز محي عبد الحميد في موضوع " أذربيجان في عيد الاستقلال ... قصة نجاح دولة ديمقراطية". تعيد وكالة اذرتاج نشر المقال:
"يحتفل الشعب الأذربيجاني في 28 ايار من كل عام بالعيد الوطني لاستقلال جمهورية أذربيجان. ففي مثل هذا اليوم من عام 1918، تم قيام أول جمهورية ديمقراطية ذات طابع برلماني في الشرق الإسلامي وهي جمهورية أذربيجان الشعبية التي عاشت على مدى 23 شهرا.
لقد شهدت الجمهورية خلال الفترة من 28 ايار الحرب الأهلية في روسيا وعواقب الحرب العالمية الأولى والصراعات العرقية والمزاعم التي أطلقتها أرمينيا حول ضم الأراضي الأذربيجانية التاريخية. وسهلت تلك الأحداث التي أوقعت منطقة القوقاز في فوضى وإضطراب كاملين إحتلال الجيش السوفييتي للمنطقة باسرها. وعلى الرغم من ذلك، قامت جمهورية أذربيجان الديمقراطية ذات طابع برلماني وتمكنت على إمتداد فترة وجودها من إتخاذ عدد من الخطوات المهمة في عملية بناء الأمة على أساس تقاليد الدولة وتاريخ الشعب الأذربيجاني.
اعلان الاستقلال وثيقة مهمة
وحتى يومنا هذا، وكما كان عام 1918، يظل إعلان الاستقلال الذي أرسى الأسس التشريعية لجمهورية أذربيجان الديمقراطية، وثيقة ملهمة وبالغة الأهمية بالنسبة لأذربيجان. فبموجب هذه الوثيقة، أعلنت أذربيجان جمهورية برلمانية ديمقراطية ملتزمة بمبادئ سيادة القانون ونظام التعددية الحزبية وعلاقات الجوار الطيبة والتسامح والحقوق المتساوية لكل القوميات التي تسكن في أذربيجان.
ويعد تمثيل جميع التيارات السياسية والقوميات والأعراق الرئيسية في البرلمان الوطني ذي المئة وعشرين مقعدا، شاهد حي علي التزام أذربيجان بالتعددية الحزبية والنظام البرلماني متعدد القوميات. من جهة أخرى، تم اعتماد العلم ذي الألوان الأزرق والأحمر والأخضر مع الهلال والنجمة الثمانية الأطراف، حيث يرمز لونه الأزرق الى انتماء الشعب الأذربيجاني الى الأصول التركية ولونه الأحمر الى الحرص على بناء المجتمع الحديث وتطوير الديمقراطية واللون الأخضر الى الإنتساب الى الحضارة الإسلامية. ومنذ عام1920، حظر النظام السوفيتي استخدام هذا العلم ثلاثي الألوان، إلا أنه عاد ليكون علم جمهورية ناختشيوان ذات الحكم الذاتي في 17 تشرين الثاني عام 1991 بأشهر وذلك بمبادرة كريمة من الزعيم الوطني للشعب الأذربيجاني حيدر علييف، حينما كان رئيس المجلس الأعلى لجمهورية ناختشيوان ذات الحكم الذاتي وثم رئيس جمهورية أذربيجان.
لقد تم في عهد الجمهورية الشعبية إلغاء الرقابة على وسائل الاتصال والحقوق الأساسية الأخرى التي فرضها النظام الامبراطوري القيصري. كما جرى اتخاذ قرار بتأسيس جامعة باكو الحكومية التي تظل صرحا شامخا لتطور التعليم وتواصل أداء رسالتها المتمثلة في تعليم شباب وشابات أذربيجان.
تطوير الجيش والقوات المسلحة
وفي فترة قصيرة من الزمن، تطور الجيش الوطني والنظام المالي الاقتصادي المستقل. وتم صد المزاعم حول الأراضي والسياسة الاستفزازية للجارة أرمينيا. وبدأت أيضا المفاوضات التجارية مع البلدان الأخرى لإمداد السوق العالمية بصادرات النفط من أذربيجان المستقلة.
على صعيد دولي، نالت الجمهورية الفتية الاعتراف الدولي خلال مؤتمر بارس للسلام بعد محادثات دبلوماسية مكثفة مع قيادة دول الحلف. بيد أن الجمهورية الأولي ما استكملت للأسف ذكراها الثانية للاستقلال بشهر. إذ إنه في 25 نيسان عام1920، عبرت القوات البلشفية أراضي أذربيجان ودخلت باكو يوم 28 نيسان وطالبت باستقالة البرلمان الأذربيجاني. هكذا انتهت المرحلة الأولى من تاريخ جمهورية أذربيجان المستقلة ذات التقاليد والقيم الديمقراطية
دور القيادة السياسية في حسم المعارك
مع مضي الزمن، استطاعت أذربيجان أن تستعيد استقلالها بعد السبعين عاما من العهد السوفييتي فور تفكك الإمبراطورية السوفييتية وذلك في عام 1991. غير أن الجمهورية الثانية كانت على حافة الاختفاء الوجودي من جراء المشكلات الداخلية والخارجية، ألا وهي الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع العدوان العسكري من قبل أرمينيا المجاورة بدعم عسكري خارجي، ما أسفر عن احتلال 20% من أراضي أذربيجان التاريخية وتشريد وتحول أكثر من مليون أذربيجاني الى لاجئين.
وفي ضوء هذه التطورات التي تضع مصير الدولة على المحك، توجه الشعب الأذربيجاني بنداء الى القائد حيدر علييف ذي الخبرة والحنكة السياسية المتراكمة من خلال توليه المناصب الرفيعة أيام الاتحاد السوفييتي والذي كرس حياته لشعبه الغالي، توجه بنداء حتى ينقذه من الكارثة القائمة، فلبى الزعيم الوطني نداء شعبه وتقلد زمام الحكم بعد الاستفتاء العام.
وسارع الزعيم الوطني حيدر علييف الى وقف إطلاق النار مع أرمينيا المحتلة وبدء المفاوضات مع الدول المشاركة في حل النزاع لإعادة الأراضي المحتلة، الى جانب تعزيز مؤسسات الدولة وتوسيع آفاق العلاقات الخارجية التي اشتدت الحاجة إليها وبناء الجيش ووضع أسسا استراتيجية شاملة في مجال الطاقة بما في ذلك تمهيد الطريق للتنمية المستدامة طويلة الأمد للبلاد. هكذا بدأت حقبة جديدة من حياة جمهورية أذربيجان المستقلة. بعبارة واحدة، أخرج الزعيم حيدر علييف البلد من مرحلة الشكوك والمصاعب التي سادت مطلع تسعينيات القرن الماضي وأولجه في آفاق المستقبل المشرق.
وبعد انتخاب الرئيس إلهام علييف رئيسا لجمهورية أذربيجان في تشرين الثاني عام 2003 بدعم مطلق من شعبه الحكيم، انطلقت صفحة جديدة وناجحة بكل المقاييس، حيث أصبحت أذربيجان اليوم بلدا ديمقراطيا ينمو بحيوية، بلدا ملتزما بالأعراف الديمقراطية، واستطاعت طيلة السنوات الماضية ، وذلك بفضل الطفرة الاقتصادية الكبيرة التي حقتتها خلال السنوات الماضية ، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط والغاز في بناء اقتصاد قوي وحررت اغلب اراضيها في اقليم قارباغ وفرضت على ارمنينا الانسحاب من المناطق الاخرى وفق بنود اتفاق موسكو التاريخي بعد معارك استمرت (44 ) يوما في العام الماضي ، واصبح جيش أذربيجان في الوقت الراهن من أقوي الجيوش في القوقاز ، وقد وظفت أذربيجان جانباً كبيراً من ميزانيتها العامة لبناء القدرات العسكرية والتصنيع العسكري ، وأصبحت تنتج العديد من الأسلحة والطائرات بدون طيار ، وتقيم العديد من معارض المنتجات الحربية للاستفادة من التقنيات العسكرية المتطورة في العالم ..
اذربيجان وامن الطاقة
كما تضطلع اذربيجان اليوم بدور هام للغاية في أمن الطاقة في أوروبا بفضل شبكة خطوط الأنابيب للنفط والغاز مثل خط الأنابيب للنفط باكو-تبيليسي-جيهان وخطوط الأنابيب للغاز TAP وTANAP، الى جانب كونها حلقة الوصل بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب بواسطة ممرات النقل ومنها «الطريق الحريري للحزام الإقتصادي» الذي تشارك أذربيجان فيه بفاعلية.
أما المؤشرات الإقتصادية والإجتماعية التي أحرزتها أذربيجان منذ رئاسة حيدر علييف بين الأعوام 1993-2003 الى الربع الأول من عام 2019بقيادة الرئيس إلهام علييف رئيس جمهورية أذربيجان، فنرى أن أذربيجان تحتل المرتبة الخامسة والعشرين حسب تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2019 لمنظمة الأمم المتحدة وتُعتبر من الدول العشر أكثر تنفيذا للإصلاحات.
كما تم خلال السنوات المذكورة استثمار 250 بليون دولار أمريكي في الاقتصاد الوطني الذي كبر أكثر من 3 أضعاف أثناء تلك الفترة ومنح القروض الميسرة لرجال الأعمال بقيمة 1.2 بليون دولار أمريكي. وايضا شهدت القطاعات غير النفطية والصناعية والزراعة زيادة 2.8 ضعف و2.6 ضعف و1.7 ضعف على التوالي، الى جانب التصدير غير النفطي الذي ارتفع 4.1 ضعف. وبموجب تقرير التنافسية العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي، فتتصدر أذربيجان من بين دول رابطة الدول المستقلة وتحتل المركز الخامس والثلاثين عالميا.
من جهة أخرى، تراجع مستوى الفقر من 50% الى 5.4% وتم توفير مليوني فرصة عمل وانخفضت نسبة البطالة لتصل اليوم الى 5% وازداد احتياطي النقد الأجنبي ليبلغ 46 بليون دولار أمريكي في عام 2018، في حين كان على حد 1.8 بليون دولار أمريكي عام 2003.
وفي مطلع تسعينيات القرن المنصرم، كانت قلة قليلة فقط هي التي آمنت بإمكان خروج البلاد من دوامة الفوضى العارمة وصمودها باعتبارها دولة ذات سيادة بسبب العدوان الأرميني والصعوبات الداخلية السياسية والاقتصادية. بيد أن أذربيجان بقصة نجاحها تمكنت من التغلب على جميع أوجه التشاؤم وأثبتت أن استقلالها وتطورها الناجح أمر أبدي لا رجعة فيه كما تثبت من ذلك ارقام الاحصائيات الدولية والمنظمات الدولية المحايدة."