سياسة


اجتماع قمة باكو لحركة عدم الانحياز: فرصة إعادة الشحن

باكو، 7 أغسطس، أذرتاج

تستضيف أذربيجان في 25-26 أكتوبر العام الحالي اجتماع القمة الثامنة عشر لمنظمة حركة عدم الانحياز. ويكتسي هذا الحدث ببالغ الأهمية بالنسبة للبلد نظرا إلى نطاق المنظمة وإمكاناتها السياسية والاقتصادية وتأثيرها على السياسة العالمية. ويأتي اجتماع القمة هذا احد الفعاليات السياسية الدولية الكبرى في تاريخ أذربيجان المستقلة. ومما يستلفت محللون سياسيون وخبراء إليه أن قارة أوروبا تستقبل من جديد رؤساء الدول والحكومات للبلدان الأعضاء لدى ثاني اكبر المنظمة الدولية بعد منظمة الأمم المتحدة باستضافة أذربيجان اجتماع القمة الحالي بعد 30 سنة مضت على اجتماع قمة بلغراد المنعقد عام 1989م.

اتحاد تأسس من الضرورة

حركة عدم الانحياز تضم 120 بلد. ويعد الامتناع عن المشاركة في التحالفات السياسية الحربية وتعايش الشعوب سويا سلميا على أساس مبادئ الاستقلال ومساواة الحقوق أساسا لنهج السياسة الخارجية لهذه البلدان. وأسست المنظمة في مؤتمر باندونغ لبلدان آسيا وإفريقيا عام 1955م. وكانت الدول الشابة آنذاك تبحث عن سبيل تنمية يضمن إمكانية إقامة اقتصاد حر من التوقف على الاستعمارية وحديث وإقامة نظام علاقات دولية اكثر عدلا وافضل. وكما قال احمد سوكارنو رئيس إندونيسيا خلال أعوام 1945-1967م احد مؤسسي حركة عدم الانحياز إن أساس إنشاء حركة عدم الانحياز ليس باتحاد جغرافي وعرقي وديني بل هو "اتحاد تأسس من الضرورة". وكانت ثمة حاجة إلى العالم الخالي عن الحرب لان حركة عدم الانحياز تشكلت كعامل موازن في حقبة الحرب الباردة في ظل مواجهة التحالفين اللذين كان احدهما الاتحاد السوفييتي وثانيهما الولايات المتحدة الأمريكية جيوسياسيا وحربيا واقتصاديا وفكريا. وكانت ثمة حاجة إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية وظروف عادلة ومتساوية الحقوق من اجل التطور والرقي.

وكان البيان الختامي المتخذ في مؤتمر باندونغ لدعم السلام والتعاون العام يشرح 10 مبادئ للتعايش والتعاون للبلدان وهي الاحترام بحقوق الإنسان الرئيسية وأغراض نظام الأمم المتحدة ومبادئه والاحترام بسيادة جميع البلاد وسلامة أراضيها والاعتراف بتساوي الحقوق لجميع الأعراق والمساواة بين جميع الأقوام الكبيرة والصغيرة والتجنب من العدوان العسكري في بلدان أخرى والتدخل في شؤونها الداخلية والاحترام بحق كل بلد في الدفاع الفردي والجماعي وفقا لنظام الأمم المتحدة والتجنب من استغلال الاتفاقيات على الدفاع الجماعي لمصالح شخصية للدول الكبرى أيا كانت وتجنب كل بلد من ممارسة ضغط على بلاد أخرى والتجنب من الاعتداء على سلامة أراضي أي بلد أو استقلاله السياسي أو أفعال تطبيق القوة أو مثل هذه التهديدات عليه وتسوية جميع المنازعات الدولية بوسائل سلمية ومساعدة المصالح المتبادلة والتعاون والاحترام بالعدالة والالتزامات الدولية.

وقد وجدت هذه المبادئ عن تعبيرها في بيان مؤتمر بلغراد عام 1961م أيضا. ويبدأ التاريخ الرسمي لحركة عدم الانحياز من ذلك التاريخ. وشرحت المبادئ الأساسية للحركة في الوثيقة المتخذة بمشاركة رؤساء 25 دولة وحكومة من أعضاء حركة عدم الانحياز آنذاك وهي عدم قبول الديكتاتورية والهيمنة والتوسع وضرورة التعاون متساوي الحقوق والمثمر بين الدول والنضال من اجل تشكل قاعدة اقتصادية جديدة تعتمد على العدالة والمساواة في الحقوق. وقد شهد العالم منذ ذلك الحين تغيرا كثيرا ولكنني اعتبر أن المبادئ المذكورة ما زالت تحافظ على أهميتها اليوم.

ثلثا العالم

يقطن نحو 55 في المائة من سكان العالم اليوم في بلدان حركة عدم الانحياز. كما تملك الأعضاء أكثر من 75 في المائة من احتياطات النفط وما يزيد عن 50 في المائة من احتياطات الغاز في العالم. ولها أحجام كبيرة من احتياطات بشرية وموارد طبيعية. ومن الحقائق التي لا ريب فيها أنه إذا تستخدم هذه الإمكانات استخداما مثمرا ومدروسا قد تتحول هذه المنظمة إلى قوة سياسية قادرة قابلة للتأثير على التطورات الجارية في العالم.

وأصبحت أذربيجان مؤخرا وبالتحديد عام 2011م عضوا كامل الحقوق لدى حركة عدم الانحياز وبعد مرور ثماني سنوات فقط استضافة البلد فعالية دولية لهذه المنظمة بهذه الدرجة من الأهمية تضم أكثر من نصف العالم تعني دون شك الاعتراف بنفوذ أذربيجان الدولي المتزايد.

وبعد النظر إلى التطورات الجارية في السنوات الأخيرة يمكن القول بعزم كامل مبدئيا إن اختيار باكو كمكان اجتماع لرؤساء اكثر من 100 دولة وحكومة من أعضاء حركة عدم الانحياز نتيجة منطقية لما تنتهجه قيادة البلد وعلى رأسها الرئيس إلهام علييف من السياسة الخارجية المدروسة والمتزنة والمعتمدة على المصالح الوطنية للشعب الأذربيجاني ومن الإنجازات المهمة التي تنجزها الجمهورية في جميع القطاعات.

ومن الممكن أن نسرد في صفوف العوامل التي أدت إلى تنظيم اجتماع القمة لحركة عدم الانحياز في أذربيجان بالذات كما يلي:

- يدعم البلد مبادئ هذه المنظمة بالكامل ويشارك فيها ويبدي تمسكه بها،

- تنتهج باكو الرسمية سياسة مستقلة كفيلة بموقف يبتعد عن مراكز القوة الأساسية العالمية ابتعادا متساويا وتحافظ على علاقات جيدة تستند إلى حسن النية والمصلحة والنفع المتبادل مع جميع البلاد ما عدا أرمينيا التي تحتل 20 في المائة من أراضيها وقد أثبتت مرارا أن قوة خارجة أيا كانت لن تستطيع إملاء إرادتها قسرا على أذربيجان،

- أذربيجان زعيمة اقتصادية دون شك في جنوب القوقاز ولها اكثر من 80 في المائة من اقتصاد المنطقة بجانب كونها مركزا سياسيا للمنطقة،

- أذربيجان مشارك فعال ومحترم للعلاقات الدولية. ويبرهن ذلك واقع آخر وهو أن البلد انتخب عضوا غير دائم لدى مجلس الأمن الدولي للفترة ما بين 2012-2013م عام 2011م وقبله تشرفت بذلك أوكرانيا فقط من بين الجمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي وعلى فكرة، قد لعب دعم البلاد الأعضاء لحركة عدم الانحياز دورا مهما في انتخاب البلد عضوا غير دائم لدى مجلس الأمن الدولي بالحصول على أصوات 155 بلد.

وتصديق آخر لهذه المقدمة أن أذربيجان مكان لقاءات قيادتي روسيا والناتو العسكريتين بشكل منتظم خلال مدة الثلاث سنوات الأخيرة وتناقش هذه اللقاءات وتعالج مشكلات هامة للأمن العالمي. واعتبر أن أهمية هذا الواقع تطلب التوقف عليها بالتفصيل وذلك أن أذربيجان تقدم مكانا فقط لعقد هذه الاجتماعات ولكن البلد اذا ما كان حائز ثقة دولية خاصة ولا احد يعقد تلك اللقاءات هنا. تختار موسكو وبروكسل بين نحو 200 بلد عبر العالم أذربيجان بالذات واعتقد أن هذا يقتضي التفكير فيه.

- أذربيجان احدى البلدان الأكثر أمانا في العالم ولها خبرة كبيرة في مجال تنظيم واستضافة الفعاليات الكبيرة السياسية والثقافية والإنسانية والرياضية.

أولويات أذربيجان

واذا تحدثنا عن عائدات السياسة الخارجية إلى أذربيجان بمشاركتها في حركة عدم الانحياز فكما جاء في مرسوم الرئيس إلهام علييف الصادر في 11 فبراير 2019م بشأن استضافة اجتماع القمة القادم أن هذه المشاركة قد أنشأت ظروفا ملائمة للبلد لجذبه إلى وتائر السلام والأمن والتعاون الدولية جذبا افعل ولأجل تنمية العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف مع الدول المختلفة ومن جملتها مع كثير من بلدان أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا.

كانت منظمة حركة عدم الانحياز أعلنت عن دعمها دعما لا لبس فيه ولا مواربة سيادة الجمهورية ووحدة أراضيها وحرمة حدودها المعترف بها على الصعيد الدولي منذ بدء عضوية أذربيجان لدى المنظمة ودعت في الوثائق والقرارات المتخذة كلها لتسوية نزاع قراباغ الجبلي القائم بين أرمينيا وأذربيجان اهم قضايا البلد على أساس هذه المبادئ. وهذا الواقع مثبت بوضوح في وثيقة نهائية متخذة في جلسة المجلس الوزاري لمنظمة حركة عدم الانحياز المنعقدة في كاراكاس عاصمة فنزويلا خلال شهر يوليو العام الحالي. وجاء في فقرة منفردة تدعم موقف أذربيجان أن عدم تسوية النزاع القائم بين أرمينيا وأذربيجان حتى الآن ما برح يمثل مصدر تهديد على الأمن الدولي والإقليمي والسلام واكد وزراء حركة عدم الانحياز على أهمية مبدأ عدم تطبيق القوة المنصوص عليه في نظام الأمم المتحدة تأكيدا للمرة التالية داعين لتسوية النزاع على أساس سلامة أراضي أذربيجان وسيادتها وداخل حدودها المعترف بها دوليا وهذا موقف 120 دولة أي موقف ثلثي العالم على التخمين!

اجتماع القمة المقرر عقده في باكو لحركة عدم الانحياز فرصة تالية بالنسبة لأذربيجان لاستلفات اهتمام وانتباه العالم إلى نزاع يستمر طوال السنين وحل هذا النزاع يمنعه موقف أرمينيا غير البناء التي تحتل 20 في المائة من أراضي أذربيجان وكذلك ازدواجية المعايير السائدة عبر العالم وغياب آليات قانونية للتأثير على المعتدي وإجباره على السلوك في اطار القواعد المدنية او عدم تميزها.

ومن الطبيعي في الوقت ذاته أن أذربيجان بوجهها عضوا ذا مسؤولية للاتحاد العالمي لن تستلفت الأنظار إلى مشكلتها فقط وخاصة لأن حل هذه المشكلة يتوقف بكثير من الجهات على كيفية العالم خلال السنوات والعقود القادمة وعلى مبادئ سيسترشد بها ومن هذا المنطلق أذربيجان تقع عليها مهمة بالغة الأهمية باعتبارها بلدا يرأس حركة عدم الانحياز فترة 2019-2021م.

وقد حددت باكو أولوياتها لفترة رئاستها هذه المنظمة وتتألف هذه الأولويات من المزيد من زيادة دور ونفوذ الحركة في نظام العلاقات الدولية وتطوير مبادئها الأساسية على المستوى الدولي والمساعدة لتشكل العلاقات الدولية على أساس مراعاة سيادة القوانين ومعايير القانون الدولي ومبادئ باندونغ الرئيسية والإسهام في تعزز السلام والأمن ومسائل التنمية المستدامة في العالم.

من اجل العالم أكمل وأعدل

ومن منطق التطورات الجارية في العالم الدولي انه في ظروف العالم متعددة الأقطاب وتأسس تحالفات في وضع مواجهة فيما بينها من جديد في الخارطة الجيوسياسية بدأ دور حركة عدم الانحياز في التزايد بعد أن ضعف بشيء عقب انتهاء فترة الحرب الباردة. ويتزامن هذا الدور مع رئاسة أذربيجان هذه المنطقة، حيث أن النظام العالمي المتشكل يتعرض للانتهاك من جديد وتتكون مراكز قوة جديدة وتتغير صيغ العلاقات بين الدول وتتعمق التناقضات القديمة وتقع الشركات التقليدية على جانبين مغايرين من الحاجز ويجد منافسون طوال السنين لغة مشتركة فيما بينهما على أرضية انطباق مصالح جيوسياسية واقتصادية ما يؤدي إلى ظهور خطر تحول بؤر نزاع محلية إلى حروب واسعة النطاق ويزعزع هياكل عدد من البلاد تحت راية الديمقراطية. وفي مثل هذه الظروف يجب على حركة عدم الانحياز أن تجد مكانتها كعامل مسوّ ومجنب في الهندسة المعمارية العالمية. ويمكن الاتفاق مع فكرة أن حركة عدم الانحياز ليست بمنظمة ذات الجنسية الواحدة وفي هذه الحركة تمثل البلاد المختلفة تماما مستويات التنمية الاقتصادية وتميز المؤسسات الحكومية والاستقرار الداخلي ورفاهية الأهالي الاجتماعية ولا تتوافق مواقف ووجهات نظر لتلك البلاد مع غيرها في المشاكل الدولية المعينة. ولكنه مما لا مشاحة أيضا أن جميع البلاد المشاركة في حركة عدم الانحياز البتة تريد العيش في عالم احسن وتريد هذه البلاد أن تعيش في عالم لن تتعرض لإملاء أو إجبار نماذج تنمية عليها من الخارج وألا تقبل أوامر بشأن كيفية ممارستها في ظروف أيا كانت وكيفية إقامتها علاقاتها مع الدول الأخرى واختيار صديق لها او شريك وعدم الهجوم على أنظمة لا تعجبها ولا يوجد ثمة خطر هدم البلاد بسبب الحروب والقضاء عليها ولا تؤدي التدخلات الخارجية إلى نزاعات وحروب أهلية وتشكل جيش من ملايين اللاجئين. ويمكن لهذه البلدان أن تتحد لأجل إبداء إرادتها السياسية وتوجه هذه الإرادة ضد محاولات تحويل العالم إلى ملعب التسلح السريع المستمر والاصطدامات الصارمة والعقوبات التعسفية. كما جاء في خطاب الرئيس إلهام علييف في المؤتمر الوزاري لحركة عدم الانحياز المنعقد في باكو أبريل العام الماضي في موضوع "تشجيع السلام والأمن الدولي من اجل التنمية المستدامة" اننا "يجب أن ندعم بعضنا بعضا ويمكن القول بأن أمامنا تداعيات ومشكلات مماثلة. كما يشبه ماضينا إلى درجة ما. وينوي كل منا حياته المستقلة ولا يريد أي منا أن يطلب احد منا بفعل ما وأن يتدخل في شؤوننا وأن يملئ علينا شيئا. ومن اجل ذلك ينبغي لنا أن نكون أقوياء ولا قوة لنا الا وأن نكون معا."

ومن اجل ذلك تحتاج فعالية حركة عدم الانحياز لإعادة الشحن. وبنصيب من القدر يتزامن هذا الدور مع فترة رئاسة أذربيجان على حركة عدم الانحياز ومن هذا المنطلق فهناك فرصة لاجتماع قمة باكو القادم وكذلك رئاسة أذربيجان أن تسجل في التاريخ كدور منعطف بالنسبة لحركة عدم الانحياز.

بقلم اصلان أصلانوف، رئيس هيأة إدارة وكالة أذرتاج ورئيس منظمة أوانا

© یجب الاستناد بالارتباط التشعبي (hyperlinks) إلى أذرتاج في حالة استخدام الأخبار
في حالة وجود خطأ في النص نرجوكم ارساله الينا من خلال استخدام ctrl + enter بعد تحديده

الاتصال بالمؤلف

* املأ الحقول المشار إليها برمز

الأحرف المشار إليها آنفا