"الأهرام" المصرية: في ذكرى مولده الـ880.. احتفاء واسع النطاق بشاعر الحكمة والتصوف في بلاد القوقاز "نظامي كنجوي"
باكو، 29 مايو (أذرتاج)
نشرت صحيفة "الأهرام" المعروفة المصرية مقالا للصحفي المصري المحنك محمود سعد دياب عن الشاعر الاذربيجاني الشهير نظامي كنجوي.
تعيد وكالة أذرتاج نشر المقال:
"هو أحد أهم رواد حركة الأدب والشعر في القرن السادس الهجري الموافق للقرن الثاني عشر الميلادي، شاعر ومفكر وحكيم سُطر اسمه ضمن القامات الشامخة التي حفل بها التاريخ الإسلامي فى زمن أضاء المسلمون بنور العلم ظلمات العصور الوسطي، إنه نظامي كنجوي، المفكر والفليسوف المولود في مدينة "كنجة" بدولة أذربيجان حاليًا، والذي تمر هذا العام الذكرى الـ880 لميلاده، ما جعل رئيس الدولة إلهام علييف يوقع على مرسوم رئاسي باعتبار 2021 "عام نظامي كنجوي".
المولد والنشأة
ولد نظامي كنجوي، عام 570 هـ - 1174م في مدينة «كنجة» في أذربيجان، ومن هذه المدينة أخذ لقبه كنجوي، وقد عاش خلال فترة حكم السلاجقة، الذين سيطروا على مقاليد الحكم فى المشرق منذ القرن الخامس الهجري، ويُعدُّ كنجوي واحدًا من أركان الشعر الإسلامي وأساتذته الكبار، وقد توفي عام 614 هـ - 1209 م، وتقع مقبرته بالمدينة نفسها.
وقضى الرجل معظم عمره في مسقط رأسه كنجة، وكان على علاقات وثيقة مع أتابكة أذربيجان، والملوك المحليين في أرزنكان وشروان ومراغة، وأتابكة الموصل بالعراق مقر الخلافة العباسية الذين قدم لهم معظم أشعاره القصصيَّة، وقد ترك نظامي كنجوي إرثًا وتراثًا أدبيًا يرقي في جودته للتراث الأدبي العالمي، حيث أنتج أول ملحمة في الأدب الفارسي، وكتب جميع أشعاره باللغة الفارسية.
الكنوز الخمسة
ومن أشهر مؤلفاته الأدبية «بنج غنج» والتي تعني الكنوز الخمسة والتي تتألف من خمس منظومات قصصية هي "مخزن الأسرار"، وهي منظومة صوفية تشتمل على كثيرٍ من النكات والحكايات على أسلوب حديقة الحقيقة التي ألفها سنائي أو علي أسلوب "المثنوي المعنوي" التي كتبها فيما بعد جلال الدين الرومي، وتشتمل«الكنوز الخمسة» على كثيرٍ من المقدمات في المناجاة والحمد.
أما ثاني أعماله "خسرو وشيرين"، فهي قصة تشتمل على مخاطرات الملك الساساني كسرى الثاني وغرامه مع معشوقته الجميلة شيرين، وقد ابتعد فيها عن الدراسة الموضوعية، وأخرجها قصة غراميَّة حماسيَّة تضم أكثر من 7 آلاف بيت شعري.
وهناك قصة "ليلى ومجنون"، التى تقع أحداثها في بلاد العرب ولا تمثل شخصيَّة ملكية، بل تمثل شخصين عاديين من عرب الصحراء أحدهما هو البطل، والأخرى هي الفتاة المعشوقة، وتشتمل على أكثر من أربعة آلاف بيت.
وإذا انتقلنا إلى "العروش السبعة" وهي آخر المثنويات التي أنشدها نظامي فتضم أكثر من خمسين ألف بيت من الشعر، وموضوعها مشابهٌ لموضوع "خسرو وشيرين" في كونه متعلقًا بقصة خاصة بأحد الملوك الساسانيين وهو "بهرام جور".
وآخر كنوزه "إسكندرنامه" أو "كتاب الإسكندر المقدوني"، وهي المثنوية الخامسة من مثنويات نظامي، وهي مكتوبة في وزن المتقارب، وهو الوزن الذي كتب فيه أكثر الشعر القصصي الفارسي، وهذه المثنوية مقسمة إلى قسمين، الأول منهما يسمى "إقبال نامه" والثاني يسمى "خردنامه".
أسرار كنجة
وتبرر التقارير سبب قضاء نظامي كنجوي حياته كلها بمسقط رأسه "كنجة"، كونها كانت أهم المراكز الثقافية في ذلك الوقت، وقد أنتج لآلئ رائعة من فن الكلمات التي أثرت تاريخ الفكر الفلسفي والاجتماعي والفني الجمالي، كما وضع الأساس لمدرسة أدبية كبيرة لها عديد من الأتباع، كما أعطت أعمال نظامي، التي تزين أشهر المكتبات والمتاحف، زخمًا لتطور فن "المُنمنمات الشرقية"؛ ما جعل الأذريين يهتمون به ويشيدون له تماثيل في "باكو" عاصمة أذربيجان، كما حرصت مدن عريقة أخرى على تشييد تمثال له مثل "سانت بطرسبورج" عاصمة الثقافة الروسية والقيصرية القديمة، والعاصمة الإيطالية "روما"، بخلاف ضريحه في "كنجة"، كما تم تسمية معهد الأدب التابع للأكاديمية الوطنية الأذربيجانية للعلوم والمتحف الوطني للأدب الأذربيجاني باسم نظامي كنجوي، وفي جامعة أكسفورد البريطانية يعمل مركز نظامي كنجوي بنجاح.
بدأ الاهتمام بالشاعر والأديب والمفكر نظامي كنجوي عام 1979م، عندما أطلق الزعيم الأذربيجاني "حيدر علييف" عندما كان عضوًا بالحزب الشيوعي السوفيتي عن أذربيجان، مبادرة لدراسة ونشر إرث كنجوي، الذي يدعو الناس دائمًا إلى الكمال الأخلاقي ويغرس الصفات الروحية العالية.
كنجوي في المصادر العربية
يقول الدكتور سيمور نصيروف رئيس الجالية الأذربيجانية في مصر والأستاذ بجامعة القاهرة، إن كنجوي له أصل في المصادر العربية، مضيفًا أن الإمام الحميري يقول في كتابه "الروض المعطار":"وأهل أذربيجان مشهورون بالإنكباب على العلم والاشتغال به"، فيما يقول الإمام الجزري عند الكلام على بلدة مرند الأذربيجانية: "خرج منها جماعة من العلماء في كل فن"، وأضاف السمعاني فى كتابه "الأنساب": "في كل فن قديما وحديثا"، وأضاف أن العلامة المحدث الحافظ أبو طاهر السِلَفي المدفون بالإسكندرية والذي جاب مدن أذربيجان شبرا شبرا وأخذ عن علمائها يقول فيهم:
ديار أذربيجان في الشرق عندنا * كأندلس بالغرب في العلم والأدب فما إن تكاد الدهر تلقى مميزا * من أهليهما إلا وقد جد في الطلب وصف مختصر عن كنجة ويضيف نصيروف في تصريحاته لـ"بوابة الأهرام"، أن مدينة "جنزة" أو "كنجة" من كُبريات مدن أذربيجان في يومنا هذا، وهي كثيرة الخيرات وافرة الغلات، وتتميز بمناظر خلابة، وصناعات مختلفة من قديم الزمان، كما تعتبر ملهمة للعلماء والشعراء، خرج منها الكثير من الشعراء والأدباء اشتهروا في العالم كله وتركوا بصمات لا تنسى.
وأوضح أن السمعاني يقول في "الأنساب": "الجنزي ــ بفتح الجيم وسكون النون وفي آخرها الزاي المكسورة ــ هذه النسبة إلى جنزة وهي بلدة من بلاد أذربيجان مشهورة من ثغرها، منها إبراهيم بن محمد الجنزي"، فيما قال أبو الحسن الدراقطني: "كهل كان يكتب معنا الحديث ويتفقه على مذهب الشافعي وكان سديدا وخرج إلى بلده منذ سنين وبلغتني وفاته، وأبو حفص عمر بن عثمان بن شعيب الجنزي أديب فاضل متدين حسن السيرة قرأ الأدب على الأديب أبي المظفر الأبيوردي ببغداد وهمذان وسمع السُنن لأبي عبد الرحمن النسائي عن أبي محمد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الدوني، لقيته بسرخس منصرفي من العراق، وكتبت عنه بها ثم بمرو ثم بنيسابور، وكتبت عنه من شعره مقطعات وتوفي بمرو في سنة خمسين وخمسمائة".
ويوضح الأستاذ بجامعة القاهرة قائلًا إن "مدينة جنزة تنسب في بعض المصادر العربية إلى أران وهي ولاية من ولايات أذربيجان في عصرنا الحالي، وأن العالم المصري الدكتور عبد النعيم محمد حسنين، يقول:"كانت أذربيجان ــ فى القرن السادس الهجري ــ مُقسمة بين دويلات كثيرة، مثلت كل منها دورا يختلف باختلاف موقعها الجغرافي، وقوة رجالها، فأران قد استقلت تحت حكم دويلة الأتابكة التي أسسها إيلدكز في عام 531هـ، وظلت تحكم حتى عام 622هـ، والجزء الجنوبي من أذربيجان، كان تحت حكم دويلة آقسنقر الأحمدلي التي كانت عاصمتها مراغة، هذا عدا دويلة حكام شروان التي بقيت مستقلة في هذا القرن أيضا".
ويؤكد الدكتور سيمور نصيروف أن المصادر العربية المعتبرة احتفت بالشاعر نظامي كنجوي، حيث يقول حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون عند ذكر ذوي الدواوين الخمسة": "وهو الشيخ جمال الدين ـ إلياس ابن ــ يوسف بن مؤيد نظامي الكنجوي المتوفى سنة 597 -596 هـ، وهو مشهور معتبر"، فيما يقول القزويني صاحب "آثار البلاد وأخبار العباد" بعد ذكره مدينة جنزة وأحوالها وما تزخر به من أنهار وخيرات وما فيها من عجائب: "ينسب إليها أبو محمد النظامي، كان شاعرًا مفلقًا عارفًا حكيمًا، له ديوان حسن وأكثر شعره إلهيات ومواعظ وحكم ورموز العارفين وكناياتهم، وله داستان خسرو وشيرين، وله داستان ليلى ومجنون، وله مخزن الأسرار وهفت بيكر، ولما نظم فخري الجرجاني داستان ويس ورامين للسلطان طغرلبك السلجوقي، وإنه في غاية الحسن، شعره كالماء الجاري كأنه يتكلم بلا تعسف وتكلف، أراد النظامي داستان خسرو وشيرين على ذلك المنوال، وأكثر فيها من الإلهيات والحكم والمواعظ والأمثال والحكايات الطيبة، وجعله للسلطان طغرل بن أرسلان السلجوقي، وكان السلطان مائلاً إلى الشعر والشعراء، فوقع عنده موقعًا عظيماً، واشتهر بين الناس وكثرت نسخه، وأما داستان ليلى ومجنون فطلب منه صاحب شروان فقد نظمها له، وكان في فنه عديم النظير، توفي بقرب تسعين وخمسمائة".
ويضيف الدكتور عبد النعيم حسنين في مقدمة كتابه "نظامي الكنجوي": "في القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجريين، كان يعيش ــ في كنجة بإقليم أذربيجان ــ شاعر وجهته أحداث عصره، وعوامل بيئته إلى إيثار العزلة عن الولاة والحكام، رغم إرسال مدائحه إليهم وتقديم منظوماته لهم، كما جعلته يدعو إلى الفضيلة، ويتغنى بالخلق القويم، ويشكو من الظلم، وينادى بإتباع العدل والوفاء: ذلك الشاعر هو نظامي الكنجوي، الذي أرجح أنه ولد في عام 539هـ، وتوفي في عام 608هـ".
انتماؤه لأذربيجان
ويختتم الدكتور سيمور نصيروف حديثه قائلًا، إنه "بسبب مكانته الأدبية والعلمية وكتابته بغير اللغة الأذرية تقول بعض الدول إن نظامي كنجوي منهم أو من بلادهم، وهذه سمة البشر ولا غرو فإن الإنسان يتمنى أن تكون بعض الشخصيات المرموقة والعظيمة منتمية إلى بلده، لكننا نرى أن التأليف بغير لغة البلد أو بغير لغة الأم لا يكون دليلا على انتفاء كونه من بلد معين كما اتضح أثناء بحثنا عن أذربيجان وعلمائها في المصادر العربية، فهناك مئات من علماء أذربيجان لم يؤلفوا كتبا إلا بالعربية ولكنهم نسبوا جميعا إلى أذربيجان، وقد ضمت منظمة اليونسكو نظامي كنجوي وصنفته ضمن الشعراء الأذريين المشهورين".
وأضاف أنه "فضلًا عن ذلك فإن قارئ شعر أو ديوان نظامي كنجوي ليحس أن سياق الأسلوب ومن بين ثنايا التعابير، وإهدائه ديوانه إلى ملوك أذربيجان ليؤكد ـ بما لا مجال لإنكاره ـ انتماءه إلى أذربيجان".