"الشروق" المصرية: سنة وشيعة بصلاة موحدة في أذربيجان
باكو، 4 ديسمبر (أذرتاج).
أدرجت صحيفة "الشروق" المصرية في صفحتها مقال لرئيس تحريرها عماد الدين حسين. تعيد وكالة أذرتاج بثه:
"جامع حيدر في مدينة باكو عاصمة أذربيجان، هو أكبر مسجد بجنوب القوقاز، ارتفاع سقفه يصل إلى ٥٥ مترا، أما ارتفاع منارته فيصل إلى ٩٥ مترا. هذا المسجد افتتحه رئيس أذربيجان، إلهام علييف عام ٢٠١٤، ويستوعب سبعة آلاف مصلٍّ.
مساء الجمعة الماضية زرت المسجد برفقة المستشار الثقافي المصري الدكتور أحمد سامى العايدى، ووفد مصري مكون من ستة صحفيين مصريين. لم يلفت نظرى فقط الفخامة أو النمط المعماري المميز للمهندسين المحليين، أو السجاد التبريزي، أو الساحة الكبيرة امام المسجد والتي تطل على بحر قزوين. ما لفت نظري أن هذا المسجد يصلى فيه السنة والشيعة معا كل يوم جمعة، أو في الأعياد في القاعة الرئيسية، في حين أن الصلوات الخمس اليومية تتم في المسجد الموجود بالدور الأرضي.
صلاة الجمعة الأسبوعية، في هذا المسجد يطلقون عليها صلاة الوحدة، وتتم بالتناوب، أسبوع على الطريقة السنية، وآخر على الطريقة الشيعية.
عندما دخلت المسجد، مع زملائي، لم أتفاجأ كثيرا، لأنني أديت في نفس اليوم صلاة الجمعة في مسجد كبير بالعاصمة باكو، يسمى بالمسجد الأزرق. وعلى الرغم من أنه مخصص للطائفة السنية، فإن ذلك لا يمنع الشيعة من الصلاة فيه.
الخطيب يتكلم ويخطب باللغة الأذربية، لكنه بالطبع يقرأ القرآن بالعربية، وخطبة الجمعة الماضية تطرقت لموضوعات كثيرة، كان من بينها دور وسائل التواصل الاجتماعي، وفوائدها من جهة، وخطورتها على الاستقرار، وإرباك الدولة من جهة أخرى، طبقا لما حكاه لي أوميد ميرزاييف رئيس المؤسسة الأوراسية الدولية للصحافة.
المسجد كان مليئا بالكامل، وهناك مصلون كثيرون لم يجدوا مكانا فظلوا واقفين، حتى تمت إقامة الصلاة.
لفت نظري أكثر أن الناس يتحدثون في أثناء خطبة الجمعة التي لم تستغرق سوى ١٢ دقيقة تقريبا، ورأيت شخصا يتحدث في الموبايل، قبل إقامة الصلاة مباشرة. وعندما سألت عرفت أن ذلك ربما يرجع في جزء كبير منه إلى التأثيرات السوفيتية، التي ظلت مسيطرة على البلاد لأكثر من سبعين عاما.
لا أعرف بلدانا أخرى تطبق النموذج الأذربيجاني في بلد يقول الشيعة إنهم سبعون في المائة منه، في حين يؤكد السنة أنهم نصف عدد السكان، البالغ عشرة ملايين نسمة، أو أقل قليلا، علما بأن المسلمين يشكلون أكثر من ٩٢٪، والباقي مسيحيون ويهود، وديانات صغيرة أخرى.
فكرة أن يصلى السنة والشيعة في مسجد واحد، وخلف إمام واحد، مثيرة للانتباه، في ظل أن مناطق كثيرة في وطننا العربي صارت تقتل الناس على هوياتهم المذهبية، أو أسمائهم، فمن كان اسمه عمر أو عثمان، ومر في منطقة شيعية، فقد يقتل، والأمر نفسه إذا كان اسمه على أو حسين، في مناطق سنية.
السؤال الذي شغلني، وسألته لكثيرين ممن قابلتهم، هو: كيف نجح هذا النموذج في أذربيجان؟
أولا هم يقعون فى منطقة حساسة، بين قوتين كبيرتين روسيا وإيران، ودولة ثالثة هي أرمينيا، التي تحتل إقليم كارباخ ومناطق أخرى تشكل ٢٠٪ من مساحة بلادهم، وبالتالي، ليسوا في حاجة لمزيد من المشكلات.
لديهم ضريح لإسماعيل شاه الصفوي، أصله أذربي، وهو مؤسس الدولة الشيعية، وأدخل المذهب الشيعي لإيران، التي كانت سنية، خصوصا بعد معركته الدامية مع الدولة العثمانية، لكنهم يقولون إن بعض السنة يزورونه أيضا.
قالوا لنا أيضا إن زعيما سنيا كبيرا طلب قبل وفاته أن يدفن، بجوار أحد قادة الحركة الخلوتية الصوفية. هم يقولون إن هذا الأمر يتكرر كثيرا.
سألت دبلوماسيا أذربيجانيا مهما خدم في المنطقة العربية طويلا ويتحدث العربية بطلاقة: كيف نجحتم في تحقيق التوافق الطائفي وأنتم قريبون من صراعات طائفية صعبة؟!
قال: «إن ٩٥٪ من الشعب غير مهتم بانتمائه الطائفي، وأنا شخصيا سألت والدتي منذ سنوات طويلة: هل نحن سنة أم شيعة، فقالت جدك كان سنيا، وجدتك شيعية، هناك ٥٪ فقط يحاولون اللعب على الأوتار الطائفية، والدولة تتابعهم جيدا، وتقول لهم لنركز على أننا جميعا أذربيجانيون».
كما أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية ووجود فرص عمل لا تسمح لكثيرين بالتفرغ للخناقات والصراعات الطائفية.
في تقدير السفير فإن أعداد الشيعة والسنة متساوية تقريبا، ومن حسن الحظ، فالغالبية تتمتع بالتسامح والانفتاح وعدم التعصب».
عندما انتهى كلام الدبلوماسي، قلت في نفسي، هل تنتقل العدوى الأذربيجانية إلى إيران ومنطقة الخليج والشام، حتى نخرج من هذه المأساة؟!"