علم وتعليم


في هذا العام تمر ٩٠٦ عاما على ميلاد الشاعرة الأذربيجانية مهستي الكنجوية

باكو، 14 مارس (أذرتاج).

احتفلت منظمة اليونسكو عام 2013 اليوبيل التسعمئة للشاعرة الأذربيجانية الشهيرة مهستي الكنجوية. ونظمت قيادة جمهورية أذربيجان عددا كثيرا من الفعاليات بهذه المناسبة. كما طبع كتاب للأكاديمي رفائيل حسينوف "مهستي الكنجوية. بورتريه أدبية" بموجب قرار أصدره رئيس جمهورية أذربيجان السيد إلهام علييف في ١٦ يناير عام ٢٠١٣.

تقدم وكالة أّذرتاج مقتبسات من الكتاب.

ولدت الشاعرة مهستي قبل ٩٠٦ عام في كنجه (غنجه) المدينة الأذربيجانية القديمة والتي اكتسبت اليوم شهرة ذائعة كصاحبة القلم واليراع ليست فقط في وطنها بل خارج حدوده أيضا.

ومهستي الكنجوية التي تجسد في أشعارها الأفكار الإنسانية وحرية الإرادة والحب العلوي تختلف عن سواها من الشاعرات اللواتي عشن وترعرعن سواء أكان في الشرق أو الغرب في القرون الوسطى برجاحة عقلها وتنوع مواضيع أشعارها والماهية العالمية لإبداعها. فتعتبر على حق من أكبر ممثلي الأدب العالمي.

عاشت مهستي وترعرعت وأبدعت في القرن الثاني عشر الميلادي وهو "العهد الذهبي" في تاريخ الثقافة والأدب الأذربيجانيين، ذلك القرن الذي أنجب العشرات من فحول الشعراء الذين نبغوا وأبدعوا روائع أدبية تظل شهيرة منذ القرون.

ولم يكن من السهل على الكثير من الشعراء في عصر العباقرة هذا البروز على ساحة الشعر التي كان يهيمن عليها نظامي وخاقاني وفلكي الشيرواني ومجيرالدين البيلقاني وغيرهم من عمالقة الشعر، والبلوغ مبلغ كواكب الشعر هؤلاء. وقد عاش في القرن ذاته لفيف من الشعراء الموهوبين إن كان قد يتيسر لهم اكتساب شهرة أكثر في عهد أو قرن آخر.

وكان من ملامح البيئة الأدبية في أذربيجان بالقرن الثاني عشر الميلادي التنافس بين العباقرة من أجل التفوق والتميز. قد مرت القرون وتغيرت الألفية، لكننا الآن نشهد العبر والنتائج المستخلصة من ذلك السباق اللفظي اللطيف. والفائزون والعباقرة والنجوم الزاهية هم الذين لا تزال أسماؤهم تتردد على كل شفة ولسان في يومنا هذا حتى بعد انقضاء بعد زمني يقدر بثمانية أو تسعة قرون، وتظل إبداعاتهم أكثر مطالعة.

مهستي الكنجوية هي من تلك النجوم الزاهية للشعر الأذربيجاني. أما أحد العوامل الرئيسية التي تجعل صاحبة اليراع هذه غير عادية في المحيط الأدبي فهي كونها امرأة، ليست بمجرد ناظمة للشعر، بل شاعرة ذات موهبة وقريحة شعرية فريدة أدخلت على الأدب روح المرأة مع كل فساحتها وألوانها.

سمعت على لسان مهستي نبرات جديدة لم يسمعها أي شاعر حتى ذلك الحين، كم من حيوية وعزة وإخلاص تتناغم بها تلك النبرات! أدخلت مهستي إلى الشعر صبابة قلب المرأة وشوقه.

بدأت مهستي تتحدث عن الحب والهجر وسرور الوصل. وقد كثر القيل وكُتب قبلها كثيرا عن هذه اللعبة. وكان الكثير قد ينطقون عن هذه الحرقة ويكتبون عنها على مدى قرون تالية. لكن تلك الكلمات التي قيلت مئات، بل آلاف مرة كانت جديدة على لسان مهستي، تلك الكلمات التي نبعت من أعماق قلب امرأة.

الآفاق الباطنية للتراث الشعري لمهستي غير متناهية، وإن كان ظاهره يبدو محدودا. مهستي من رواد حرية الفكر في الشعر.

في شعر مهستي ولد إنسان حقيقي يقهقه وينشج ويشعر في شفتيه بحرارة شفتي الحبيب، يكافح أحيانا ويتشاءم أحيانا. ذلك الإنسان الذي تمدحه مهستي كان مرتبطا بكل وجوده وطاقاته بالأرض والناس. وذلك البطل قد مزّق ثوب الحياء والخجل الظاهري، بينما كان يعلن مشاعره جليا. وكانت هذه الموضوعات قد تعجب الأدب بعد عدة قرون بأوروبا التي كانت النساء فيها بعيدات عن لبس الحجاب وكن يتمتعن بحرية أكثر ويمتلكن استقلالية و"حقوق" أكثر. لكن مهستي كانت تناشد هذه الأفكار في أشعارها في كنجه القرن الثاني عشر الميلادي حيث كان يقتضي به محيطها في كنجه / أذربيجان تلك التي كانت تشهد مرحلة ازدهارها ونهضتها حينذاك.

وأنجبت أذربيجان والشرق الإسلامي عامة عددا قليلا من الشاعرات قبل مهستي الكنجوية. لكن إبداعهن لم يستطيع الخروج عن دائرة ضيقة من الموضوعات فلم يتسنى لصاحبات اليراع هؤلاء أن يتربعن في أعلى مقامات للأدب العالمي.

مهستي هي أولى شاعرة عظيمة شهدها تاريخ الأدب الأذربيجاني والشرقي عامة، فهي قد أصبحت شخصية أسطورية في حياتها.

والحق يقال إن حياة فحول الشعراء والأدباء الذين خلفوا روائع أدبية تكون أحيانا معقدة ودراماتيكية ومفعمة بالأسئلة كما هي الحال في المؤلفات الأدبية. مسلسل ألغاز تعم ليست حياة مهستي فحسب بل الذكريات المتبقية بعد وفاتها أيضا. إن الغموض الذي أثارته المرويات والأقوال المتعلقة بهويتها الشخصية، والمتناقلة جيلا بعد جيل، فضلا عن آراء العلماء المغلوطة عنها زاد الوضع في هذا المجال تعقدا، حتى ألقي ظلال الشك على حقيقية شخصية مهستي.

وحار الكثير في فهم مهستي. فمنهم من ربطها ببلاط السلطان محمود الغزنوي أو السلطان سنجر، ومنهم من اعتبرها شاعرة عاشت في القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي، أو من عزا عهدها إلى القرن الثاني عشر الميلادي. فمنهم من رآها محصنة وفاضلة، أو من أنزلها منزلة "السيدة سان جن" للشرق (باول هورن)، أو هناك من عدها شبيهة لـ"كباريهات المغنيات الفرنسيات" (يفغيني بيرتلس). حتى ذهب البعض إلى فكرة تحتمل أن مهستي كان اسم المرء (آلفونس روسو).

بالطبع، لكل هذه الآراء مبررات تورد. فأين الحقيقة؟

ومن الصعب جدا، بالتأكيد، تصور المشهد التاريخي الدقيق لفترة يفصلنا عنها ٨ أو ٩ قرون، وإعداد سيرة ذاتية واضحة مكملة لمهستي على أساس المصادر المعروفة لنا اليوم. إن المعلومات المبعثرة ضمن المصادر متناقضة أحيانا، وبعضها أسطورية، وإن كانت لا تخلو من الحقيقة.

قد يكون مستحيلا وضع سيرة ذاتية علمية للشاعرة إن لم نتناول بالانتقاد معلومات متناقضة متوافرة في المصادر، ولم نكشف صلة بين ما يسند إلى مهستي من أشعار وتلك المعلومات، ولم ندرس العديد من الأحداث التاريخية والشخصيات للقرن الثاني عشر الميلادي.

وأول خبر نعثر عليه عن مهستي هو عند حمد الله القزويني. إن المؤلِّف في كتابه "تاريخ كزيده" الذي ألفه عام ١٣٣٠ م يذكر أنها صاحبة رباعيات جميلة، بدون إيراد خبر وجيز عن شخصيتها، ويكتب المؤلف عن زوج مهستي تاج الدين أحمد بن خطيب كنجه حيث يقول: "كان معاصر السلطان محمود الغزنوي، وله أشعار حسنة، ومشاعراته مع زوجته أحسن".

ويكتب أمين أحمد الرازي في تذكرته "هفت إقليم" (الأقاليم السبعة) مستمدا، بأغلب الظن، من المعلومات التي أوردها حمدالله القزويني فيما يكتب: "كان مهستي وزوجها معاصري السلطان محمود الغزنوي. والبعض يدّعون أنها من نيسابور. لكن الصواب هو أنها من كنجه. وقرضت أشعارا جميلة".

عاش السلطان محمود الغزنوي (يمين الدولة محمود) في نهاية القرن العاشر الميلادي وبداية القرن الحادي عشر الميلادي، ومعلوم أنه توفي عام ١٠٣٠ ميلاديا.

إن المعلومات التي أوردها حمد الله القزويني وكررها أحمد أمين الرازي تتضمن خطأ سافرا قد يحس به باحث متمكن بسهولة. بحيث أن كلمة "الغزنوي" (النسبة) قد أضيفت إلى اسمه عن طريق الخطأ. والسلطان محمود الذي يذكر اسمه هنا هو غير الغزنوي.

كشف هذا الخطأ الباحث الإيراني طاهري شهاب الذي يدرس سيرة مهستي، كما ذهب إلى هذه الفكرة العالم التشيكي يان ريبكا حيث يقول: "إن معاصرتها (أي مهستي) عهد محمود الغزنوي أمر مشكوك فيه. من الواضح أن البعض يخلطون محمود الغزنوي بابن أخيه حاكم سنجر في أذربيجان السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه".

وقد استبق أ.ي. كريمسكي في هذه الفكرة العالم التشيكي يان ريبكا والباحثين الإيرانيين الذين يشاطرون آراءه تلك وهو يقول: "أخطأ حمد الله القزويني خطأ سافرا بالإشارة إلى ابن خطيب كمعاصر السلطان محمود الغزنوي. حسب الاحتمالات التاريخية، قد يدور الحديث هنا حول السلطانين السلجوقيين إما محمود (١٠٩٤-١٠٩٢) أو بالأحرى محمد (١١١٨-١١٠٥)."

أما رأي كريمسكي فكاد أن يكون صحيحا وإن كان لا يخلو من الخطأ حيث يظن أن الحديث هنا يدور حول نصير الدين محمود الأول، لا مغيث الدين محمود الثاني.

ودليل آخر سنستدل به فيما يلي على إثبات أن السلطان محمود الذي يشير إليه حمد الله القزويني كـ"الغزنوي" هو السلطان محمود بن السلطان محمد بن ملك شاه". لكن ينبغي علينا قبل ذلك أن نتطرق إلى أخطاء قبيحة نتجت عن الاعتماد على المعلومات الخاطئة الواردة حول معاصرة مهستي للسلطان محمود الغزنوي. والأمر أن العالمين الإيرانيين رشيد ياسمي وإسماعيل أميرخيزي ذهبا إلى ادعاء، كأنهما كشفا أمرا علميا"، يقول أن مهستي هي شاعرة القرن العاشر أو القرن الحادي عشر ميلاديا، ولم تعش في القرن الثاني عشر الميلادي. كما أن الأخطاء الأخرى من هذا القبيل، والتي تكرر خطأ حمدالله القزويني والتي لا تقدر على الصمود أمام النقد هي الأخرى قد مهدت أساسا، بل هشا للغاية قد يسمح بتقديم احتمال كالحقيقة يزعم أن مهستي لم تعش في القرن الثاني عشر الميلادي، بل يعود عهدها إلى ما سبقه من قرون.

إن مخطوطة كتاب "مهستي وأمير أحمد" الذي ألفه جوهري التبريزي في القرن الثالث عشر الميلادي ووصلت إلينا نسخها المنسوبة إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر ميلاديا تشير إلى حادث طريف، يروى أن "ابن شاه كنجه تبوأ مقاليد الحكم بعد وفاة أبيه". ويظهر من المؤلف أن هذا الحادث يصادف فترة عنفوان شباب مهستي.

إذا تصفحنا كتب التأريخ نرى من هو شاه كنجه حينذاك ومتى توفي وهل استخلف ابنه أبيه في حكم كنجه؟

ويتضح من كتاب صدر الدين علي حسيني (القرن الثالث عشر الميلادي) "أخبار الدولة السلجوقية" (زبدة التواريخ في أخبار الأمراء والملوك السلجوقية) ومن تصحيحات أضافها الأكاديمي الأذربيجاني ضياء بنياتوف إلى طبعة موسكو لهذا الكتاب استنادا على المعلومات التي أوردها ابن خلكان وابن الأثير أن محمد تبر قبل قليل من وفاته عيّن محمود وليا لعهده. وكانت إيران الغربية وأذربيجان والعراق تحت حكمه. وكان محمود يبلغ من العمر ١٤ عاما حين تم تعيينه وليا للعهد.

ويكتب صدر الدين حسيني أن السلطان محمود فارق الحياة في ١٥ شوال عام ٥٢٥ هـ (١٠ سبتمبر عام ١١٣١م).

فيذكر ابن الأثير أن حكمه استمر ١٢ عاما و٩ أشهر و٢٠ يوما.

وينجلي من مخطوطة قصة "مهستي وأمير أحمد" أن وقت اشتهار الشاعرة الشابة واكتسابها شهرة في خراسان يتزامن السنين الأولى لحكم شاه كنجه، أي السلطان محمود بالذات.

ويتضح من القصة وهي تتناول سيرة حياة الشاعرة أن مهستي برعت في فن صناعة الشعر منذ سنها المبكرة، بعد قليل بدأت تدعى الى مجالس الشعر والمآدب في بلاط شاه كنجه أي السلطان محمود حيث تلتقي الشاعرة وهي تبلغ من العمر ١٧ أو ١٨ عاما، مع أمير أحمد. وهو يأنس إلى عشرتها ويكثر من زيارتها في "خرابات" حيث تسكن، وذلك على عكس أمر أبيه خطيب كنجه. ويشتكي الخطيب عند شاه كنجه. لكن السلطان محمود توفي قبل الإقدام على حل هذا النزاع. في ذلك الوقت كانت مهستي تبلغ من العمر ١٨ عاما. وهذا يعني أن تاريخ ميلادها يسبق عام ١١٣١ وقت وفاة السلطان محمود بـ١٨ سنة أي يصادف عام ١١١٣ م.

ويكتب ضياء بنياتوف في كتابه "دولة الأتابكة الأذربيجانية": "كانت كنجه مركز إقليم أرّان وكان يجلس فيها السلطان السلجوقي قياس الدين محمد تبر (١١١٧-١١٠٥ ميلاديا).

وليست من المصادفة تسمية السلطان باختصار "شاه كنجه"، بينما يمكن العثور على مثل هذه الحالة في نماذج الشعر والنثر المنسوبة الى ذلك العهد.

على سبيل المثال، يسمي خاقاني أيضا حاكم شماخي الأتابك سيف الدين منصور بـ"شاه شيروان" باختصار.

بعد تصفية الأشعار المنسوبة إلى مهستي من ضمن كتب المؤلفين الآخرين وتحليلها من حيث بنيتها الشعرية ومزاجها ومواضيعها وقوافيها ينجلي أن صلة هذا التراث بتراث البلاط جزئية.

وأغلب الظن أن مهستي التي تأثرت في عز شبابها بالنظام الشعري التقليدي انضمت فيما بعد إلى تيار يسمى "الجناح الديمقراطي".

يظهر جليا أن تراث مهستي مرتبط بشكل وثيق بالشعر للحرفيين. بدأ ذلك التراث ينتشر في القرن الثاني عشر الميلادي وهو يتناقض والشعر المكتوب للنخبة الحاكمة بعدد غير قليل من جوانبه. ويمكن استنتاجه منطقيا عند البحث في التراث الأدبي لمهستي.

نحن بعيدون عما يسعون إلى القول بإصرار إن مهستي لم تكتب نماذج من شعر البلاط، ولم تخالط البلاط لمدة طويلة تجنبا لان مخالطتها البلاط قد تعد مصدر لوم على صاحبة اليراع، والبلاط مكان غير محبوب لها. هذا بمجرد تعبير عن حقيقة علمية.

لكن من الواضح أنها باعتبارها شاعرة شهيرة كانت تدعى أحيانا الى البلاط للمشاركة في المناظرات والمشاعرات فيه.

عليه فكان من غير المستبعد تماما أن مهستي كانت تتردد على بلاط السلطان سنجر بمرو حيث زارتها الشاعرة ونزلته ضيفة لمدة معينة.

ويأتي فريد الدين العطار في منظومته "إلهي نامه"، وهي تتكون من ٢٢ مقالة على ذكر العديد من الشخصيات التاريخية منهم الشعراء رابعة الجزداري وفخر الدين الجرجاني وأبو سعيد والشيوخ والعرفاء المشهورون الشيخ أبو القاسم الهمداني والشيخ نوري وشقيق البلخي والإمام الغزالي وحسن البصري والشيخ خرقاني، ومن السلاطين والملوك السلطان ملك شاه والسلطان محمود والسلطان سنجر وآخرون.

وفي المقالة الرابعة عشرة التي تضم ٢٤ قصة تحدث العطار عن الشاعرة مهستي التي عاصرها وسلفها.

وتسمى القصة السادسة عشرة وهي متكونة من ٤٠ بيتا، بـ"قصة السلطان سنجر ومهستي".

يذكر العطار فيها اسم الشاعرة كمَهَسْتيِ. وتحتوي هذه القصة الصغيرة على معلومات مهمة للغاية عن مهستي. قبل كل شيء، أشار إليها فريد الدين العطار بلقب "دبير" (الكاتبة):

مهستی دبیر آن پاک جوهر

مقرر بود پیش تخت سنجر

اگر چه روی او بودی نه چون ماه

و لیکن داشت پیوندی بد و شاه

ترجمتها:

كانت الكاتبة مهستي الطاهرة الجوهر،

من المقربات إلى السلطان سنجر.

وكان السلطان ميالا إليها

رغم أنها لم تكن على قدر كبير من الجمال.

"دبير" الكامل وما يتصل بهذا الفن". وتظهر المعلومات التي كتبها نظامي عروضي أن الذين كانوا يسمون بلقب "دبير" كانوا في الحقيقة مثقفين أذكياء متبحّرين في كثير من حقول العلم، متمكنين في فني الكتابة والنقط. إنهم كانوا بمثابة "مستشارين للدولة" إذا ما قارناه بالمفهوم العصري.

لذلك، إذا تحدثنا عن مهستي ليست فقط كشاعرة فحسب بل كـ"دبير" فيتضح مدى سعة موهبتها ومهارتها أكثر مما نتصوره.

من جهة أخرى، يشير العطار إلى مزية أخرى تتمتع بها مهستي وهي مهارتها الكبيرة في العزف على آلة الضنج. وهذا ينطبق أيضا على فكرة موجودة في مخطوطة "مهستي وأمير أحمد"، حيث يدوّن في مقطوعة تتعلق بفترة شباب مهستي فيما يكتب: "أمر أبوها أن يأتي علماء الموسيقى ليدرسوا ابنته علم الموسيقى. وهي تعلمت ١٢ مقاما و٢٤ شعبة وأصبحت رائدة في علم الموسيقى. علاوة على ذلك، أمر والد مهستي بأن يأتي عازفو الضنج والعود والبربت ليدرسّوا ابنته".

إنها اضطرت في عز شبابها إلى ترك كنجه لمدة عدة أعوام، مع أنها عادت إلى مدينتها الحبيبة في مرحلة نضوج إبداعها الأدبي حيث لم تغادرها حتى نهاية عمرها. وسنواتها في الغربة والفراق تجذرت في مقاطع حزينة شجية لأشعارها.

كما يشير نظامي الكنجوي في "خمسة" إلى صورة مهستي" وبالطبع أنها تتمثل في مثنوي نظامي الكنجوي كشخصية تاريخية، بعيدة عن تقديمها كالشخصية البديعية الأدبية. كتب نظامي في مقدمة مثنوي "خسرو وشيرين" الذي أكمله عام ١١٨١ بيتا يقول:

يقال، أعطيت مئة مخزن كل مساء

لغزليات ستي ومهستي

كذلك يقدّم "صانع الدولة" معلومة موجزة عن مهستي في المجلد الأخير من كتابه المسمى "خيرة حسن" الذي أصدره خلال الفترة ما بين سني ١٨٩٠-١٨٨٧ بـ٣ أجزاء.

يضم معهد المخطوطات الحاملة اسمَ محمد فضولي، التابع لأكاديمية العلوم الوطنية الأذربيجانية بباكو نسختين من مخطوطة "مهستي وأمير أحمد" والتي تشمل معلومات مفصلة عن سيرة حياة الشاعرة، وشخصيتها والأحداث التي شهدتها. وأكملهما منسوخ في عام ٩٠٠ هـ (١٤٩٤ م).

وقد تم العثور على تلك المخطوطة في مكتبة خاصة لأحد أغنياء إيرفان عام ١٩٢٨. في البداية بيع الكتاب بمقابل ١٠ آلاف دينار إلى مكتبة شاه قولو خان التي عين من قبل حكومة إيران حاكما لإيرفان. بعد ذلك حصل على المخطوطة الكاتب الأذربيجاني محمد سعيد الأردوبادي.

تحتفظ المكتبة المركزية لجامعة طهران بإيران مخطوطة تحمل اسم "مجمع الفوائد" تحت رقم ٣٢٩٠، وألفها الطبيب عبدالله جوهري زركر. إنه كان على قيد الحياة عام ٦٧٦هـ (عام ١٢٧٧ ميلاديا). والمخطوطة تحتوي على قصة تتحدث عن الصلة بين السلطان سنجر ومهستي أيضا. كما تتضمن رباعيات مهستي.

صدر في العدد الـ٢٠٦ لجريدة "يني فكر" (الفكر الجديد) في تيفليس بنوفمبر عام ١٩٢٣ مقال لميرعباس باغرزاده تحت عنوان "مقبرة نظامي". يتحدث المؤلف في المقال عن تأسيس لجنة خاصة من قبل لفيف من المثقفين بكنجه (الشاعر ميرزه محمد آخوندزاده، والمدرس جواد باي، والمؤرخ رفيبايوف والمدرس ميركاظم ميرسليمان زاده) ونتائج أعمال التنقيب والحفريات الأثرية التي قامت بها اللجنة بالقرب من مقبرة نظامي في أبريل عام ١٩٢٣، والخطة المتعلقة بإعادة دفن رفاة نظامي داخل المدينة أمام مسجد شاه عباس.

(يذكر أن رفيبايوف هو أحد رواد في مجال الفنون بأذربيجان واسمه الكامل جواد رفيبايلي. عمل جواد باي فيما بعد كمدرس بمدرسة الرسم بباكو. يقول الرسام الأذربيجاني القدير أوقطاي صادقزاده الذي درس على يد رفيبايلي أن معلّمه كان يتحدث حينذاك بمشاعر الافتخار عن عثوره على جمجمة الشاعر نظامي أثناء الحفريات).

أثناء أعمال الحفر تم اكتشاف قبر آخر منسوب إلى امرأة مجهولة بالقرب من ضريح نظامي. وتباينت الآراء حول مسألة هوية الدفين. يظن وحيد دستكردي أنه قبر "آفاق" زوجة نظامي المحبوبة. والبعض عزوه إلى بنت الشاعر العبقري.

والحال أنه لا توجد معلومات صحيحة وموثوق بها عما إذا كانت لنظامي ابنة.

تدل المعلومات الواردة في المصادر المتفرقة على أن مهستي الكنجوية عاشت عمرا مديدا، حتى يقال إنها كانت تحتفظ بنضارة وجهها وسحرها وهي تناهز ٩٠ عاما من عمرها. فارقت الشاعرة الحياة حوالي عام ١٢٠٥ أو ١٢٠٦ قبيل وفاة نظامي الكنجوي. صانت مجموعات الشعر القديمة المختلفة بيتا ينسب إلى فلكي الشيرواني، أو مجير الدين البيلقاني حيث يدعى أنه في مهستي. وهو ينشد:

تلك الجميلة البالغ ٩٠ عاما من العمر لا تزال شامخة،

هذه المرأة الشائبة لا تزال فاتنة.

ستظل الشاعرة والمفكرة الأذربيجانية مهستي الكنجوية دائمًا معنا بأشعارها النابضة، وستظل أشعار مهستي الكنجوية ملجأ لأبناء جلدتها ولكل من يقرأها في ربوع أنحاء العالم، وستظل تنبض بالجمال والحيوية. وهذا هو هدية التاريخ لمهستي تقديرًا لجهودها العظيمة من أجل الكلمة والإنسانية.

© یجب الاستناد بالارتباط التشعبي (hyperlinks) إلى أذرتاج في حالة استخدام الأخبار
في حالة وجود خطأ في النص نرجوكم ارساله الينا من خلال استخدام ctrl + enter بعد تحديده

الاتصال بالمؤلف

* املأ الحقول المشار إليها برمز

الأحرف المشار إليها آنفا